رسائل من الدوحة

متغربين إحنا.. متغربين آه.. تجري السنين و إحنا .. جرح السنين.. آه.. لا حد قال عنا خبر يفرحنا و لا حد جاب منا كلمة تريحنا .. تريحنا

السبت، 20 ديسمبر، 2008

الرسالة العاشرة.. 2008.." بيض ممشش و بيض زفر "


ميدوس و دودي :

أحب الحبايب :

أعتقد أن ثمة عقداً آخر من الزمان لا بد من انتظاره ريثما نتأكد من قدرتكما على قراءة هذه الرسالة.. و ربما تحتاجان لعقد ثالث لفهم كنه محتواها.



دانا و محمود :

هذه أول مرة أراسلكما و أصوات صرخاتكما الجميلة.. المزعجة تطن في أذني.. تطربني .. تزعجني .. و لكني أدعوا الله ألا يحرمني منها سوى لدقائق معدودة لالتقاط الأنفاس.

" وليد و رندة في الفضاء "
عارفين يا أولاد:
لا داع لأن أقسم أني أشعر بقربي لكما في السن.. فمشاعر الطفولة لصيقة بالإنسان .. إلا أنه لا يسعى لعلاج هذا الالتصاق.. و لكن ثمة قليل من المواقف والأحداث تدق ناقوس الزمن لتنبهني و تصرخ في أذني :" أفيقي .. الزمن يمضي بسرعة الصوت، و لم تعودِي بعد طفلة صغيرة".
ثمة أشخاص لم نقابلهم أو نراهم و نحن أطفال و نفاجأ بعد فترة أنهم هرموا.. فندرك أن السنوات لا بد أنها مرت علينا كما مرت عليهم وعلى الجميع.
ثمة جدود مضوا .. تبعهم أباء رحلوا، ليذكرونا أن دورنا أت أت.. و العجلة ستدور بنا أو بدوننا.
ثمة زمن كنا ننادي فيه الجميع بألقاب .. ثم يدور الزمن، و نجد أنفسنا ننادى بألقاب إكبار..
و لكنها تشعرنا بالكِبَر!
منذ أسبوع - يا أولاد- شاهدت أحد البرامج تستضيف السيناريست "رفيق الصبان" و قد ظهرت عليه ملامح الزمن، فأدركت أنه لم يكبر وحده، فقد كنت أراه أحيانا في مدرسة "خالو وليد "و هو يأتي لاصطحاب ابنه " زيد ".
و منذ يومين بدأت أتابع مسلسل " الفريسة و الصياد" و سبب متابعتي أن بطل المسلسل ممدوح عبد العليم كان سبب إحدى مشاجراتي مع" خالو وليد" و نحن صغار.. فلقد كان ممدوح عبد العليم بطل مسلسل أطفال في أواخر السبعينات اسمه " وليد و رندة في الفضاء" و كان" خالو وليد " يتعمد إغاظتي كون بطل المسلسل يحمل اسمه، بينما بطلة المسلسل لا تحمل اسم داليا!

و لا أعتقد إنكما تتوقعان أن درجة سذاجة أمكما و خالكما في ذلك الوقت كانت تسمح لهما بعد الأسماء التي تذكرها ماما "عفاف الهلاوي" في برنامجها الأسبوعي "سينما الأطفال" و الذي تذكر فيه عدد لا حصر له من الأسماء لإٌهدائهم فقرات البرنامج.. و كان الفائز منا هو الذي يتم ذكر اسمه أكثر من أخيه .. و الجائزة هي " قبلة مقابل قبلة" أو" بوسة لبوسة "كما كنا نسميها زمان.

الغريب أني رأيت علامات الزمن قد غيرت ملامح ممدوح عبد العليم الذي كنا نراه- دون سوانا - فتي صغير شيبه بجارنا سامح زخاري.. و كنا متفقين أيضا أن نجيب الريحاني- من وجهة نظرنا- يشبه جدو نجاح شقيق جدتنا "ماما صفية"!

و كبرنا - يا محمود - وعرفنا أننا لسنا وحدنا بهذه السذاجة بل أن الدول تتسابق لذكر أسماؤها في المحافل الدولية بشكل أكبر، حتى قيل أنه و تحت شعار:

“ We have Budget ”

أجادت قطر من خير خزانتها بنحو ثلاث مليارات من "الأخضر" على إنشاء بنية إلكترونية خاصة بإقامة دورة الألعاب الأسيوية الخامسة عشر.. و الرقم 15 مليار هو الأقرب إذا ما أردنا حساب مجمل ما تكبدته قطر لرفع اسمها خفاقا عاليا في عالم الرياضة الدولية.

أما المصريون .. الفراعنة .. فقد أصيبوا " باللوثة الكبرى" التي قضت على جميع مشاكلهم و مصائبهم وأنستهم في لحظة " النصر الكروي العظيم" الذي حققه الأسود على الأفيال، نسوا كل همومهم و ألامهم.. و احتفلوا بالعرسان و بالعرس الكروي القومي المصري الفرعوني الأممي الذي رفع إسم مصر بشكل علوي .. فقد أصابهم الإنجاز الساحق بنعمة " ال زهايمر" فنسوا مشاكل الغلاء و أسعاره .. نسوا طوابير العيش .. نسوا أن كيلو العدس ارتفع لتسع جنيهات .. نسوا ضحايا العبارة و الغرقى .. نسوا الفقر و العشوائيات و التحرشات .. نسوا الأزمات الاقتصادية و البطالة.. نسوا الشباب الذي مات على شواطئ المهجر .. نسوا القطارات و الحرائق.. نسوا عمارات الموت في" لوران" التي سقطت بمن فيها و على من فيها .. نسوا أكياس الدم الملوثة و نسوا المظاهرات و" كفاية "..

و لكنهم تذكروا واجب الإحتفال بالعرس الكروي و بال11 عريس و مدربيهم و مدلكيهم و أجهزتهم التي حققت للشعب المصري في لحظة ما، هدف .. هدف أصاب مرمى الخصم في ماتش،علما بأنه خصم من أدغال أفريقيا .. "يعني لم يكسبوا فريق أوروبي عليه القيمة مثلا"!
فنستطيع القول أن11 فرد نجحوا في تخدير الشعب المصري و هو ما عجزت عنه تجارة لمخدرات في مصر كما عجزت عنه الحكومات على تواليها بدءا من حكومة فؤاد محي الدين و حتى حكومة نظيف!

ضربة كانت من معلم

لقد أصيب الشعب المصري- يا أولاد - بحالة هوس معتقدين أنهم تحت مسمى " الإنجاز الرياضي العظيم" قد حققوا إنتصارا في الواقع و بطولة حقيقية و ليست افتراضية .. فحنوا لأمجاد زمان وعادوا يقولون :" المصريين أهمه " و ما يجيبها إلا رجالها " و "ضربة كانت من معلم" و" عملوها الرجالة" و تحول اللاعبون إلى أبطال حققوا إنتصار عظيم.. حتى كدت أظن أن فرحة المصرين بالفوز بكأس الأمم الأفريقية فاق فرحتهم بنصر العاشر من رمضان..أو لربما كان المصريون في أشد الحاجة لمن يعيد وضع اسم مصر في دائرة الضوء من جديد بشكل لائق و كريم ..
والطريف أن معظم الدول العربية قد فرحت مع و ل " أم الدنيا "حتى أن كثير من دول الخليج قد قامت بما نسمه بالبلدي" نقطوا العرسان في الفرح المصري" و رغم أن الأعراف تجمع على أن النقوط .. دين واجب السداد .. إلا أنه يقينا لن ترد الحكومة المصرية هذا الدين إذا ما قام الفريق الإماراتي- على ثبيل المثال لا الحصر- بالفوز بخليجي 19 للمرة الثالثة.
ليت شعري

أشعارنا كالتصريحات.. سيل من الشعارات
درب من المهاترات.. تلال بيانات
أشعارنا بالصبح صرخات.. و بالليل أنات
أشعارنا كلها آهات
أشعارنا كالجنيهات .. لا كالدولارات
أشعارنا كالدراسات .. قابعة في الملفات
غير مجدية .. ليتها كانت رياضات
ليت شعري
ليت شعري كرة مدرب، ملعب أو مسابقات
ليت شعري غنوة، فيلم، رقصة أو استعراضات
تنجح.. تكسب المليارات
(داليا الحديدي)

الأم تضحية و التضحيات ديون

ميدي القمر و مادونا البيضة السكرة:

أتمنى أن تدركا في يوم ما، ما تعنياه لي و لبابي ياسر .. فكل كلمة تصدر منكما تلطف من غربتنا .. فكم نعشق الحضن الفجائي الذي نتلقاه منك - يا محمود- دون سابق إنذار.. و كم نتلهف على قبلة دانة الجميلة، أما ما تقوم به أحيانا فترفع يدي و تلثمها، فهذا يشعرني بأن الزمن توقف للحظة.. ليضعني في الجنة.. حتى ضربات دانا لنا تذكرني بأغنية ليلي مراد " لما يخاصمني افرح و " ربما لأننا ننتظر بعدها و نتوقع لحظة مصالحتها و " أوما"! و لا استطيع وصف سعادتي حينما فككت شفرة لغتك الجميلة و فهمت أنك تقول لي:" أحضني ماميتو" اهرشلي ماميتو" "إعمللي كورن فليكس ماميتو" يا الله ماييتو.. محمود زعلان .. تعالى صالح محمود ماميتو.. للالا تعالى للا.. لللا تعالى ماميتو لحسن محمود يموت.. و أنت تعيط !!"

كم أود- يا محمود - أن تكون غافلاً عن أي تعب نشعر به، و أحيانا تنتابني مشاعر مختلطة من الدهشة و الانزعاج حينما تقول لي: " أنت تعبان ماميتو.. هلاص .. احنا نشتري لمون"
كيف أسامح نفسي إذا لم استطع مجاراتك في كل ما تريد و أنت لك حق مشروع و طاقة جبارة كنت أملك مثلها يوم ما.
أتذكر مامي حين كنا في رحلة إلى تركيا و كنا مقيمين في فندق في إسطنبول على تلة مرتفعة، و كنت ألحظها تحدث نفسها و هي تمشي و تصعد درج التلة.. منهكة.. مقطبة الجبين فتقول: فعلا من الخطأ زواج إنسان مسن بفتاة صغيرة!
فجدتك الملائكية يا محمود كانت تسعى لمجاراتي في الرحلة التي صحبتني فيها خصيصا للتخفيف عني عقب أحد الأزمات .. و كنت جدا ًسعيدة بالسفرة وأتطلع لمشاهدة كل شبر في إسطنبول .. وهي تلهث خلفي على شاطئ البوسفور كما ألهث أنا خلفك على كورنيش الدوحة .. وحينما كانت تبرك مني، كنت أداعبها : مامي.. الأم تضحية هاهاههاه!!
و أعتقد أني هنا لا بد أن أضيف:" نعم الأم تضحية و التضحيات ديون " و كله سلف و دين حتى المشي على الرجلين سواء في اسطنمبول أو في الدوحة يا محمود!
لقد حان وقت القصاص يا محمود و اللهم لا اعتراض!

محمود:
كم نفرح أنا و والدك و نحن نسمع كاظم يغني:
صغير و ِملَعب ..
على قلبي يلعب.. خلينا نروح يا بابا
ينزل دمعاته.. حتى أبوس خديداته
حلوة حركاته يا بابا
جنبي و يتمشى .. و يغمز لي برمشه
يحارشني حرشة يا بابا

دانا:

أنت أيضا - يقينا - كتب لك كاظم رائعته:
البنية حلوة البنية
البنية بتعاكس بيا
هلا هلا هلا
الإيد .. الإيد شوكليتا
والفم .. الفم فديته
والخد.. باستا و بان كيكا
بيها شئ .. لا ما بيها

إلا اجري و أحضنها حضنة
و اقرص تفاحات الوجنة
هذا الخد ما اشبع منه

و كثيراً ما أتوهم أن الأمير الشاعر عبد الرحمن بن مساعد قد أهداني رائعته" بأحكيلك أجمل حكاية" فقط لأرويها لك يا دانتي
باحكيلك أجمل حكاية عن قصة حب و قلبين
صارت بك دنياهم أجمل يا أغلى من ضي العين
جيتي و صرتي أنت الأبدى أنت الدنيا و الأيام
أنت الحاضر..أنت باكر أنت العذب من الأنغام
رب يخلي هذه الضحكة تملا الدنيا فرحة و نور
رب يخلي .. رب يسلم و يحميك من كل شرور

بكرة لما الحلوة تكبر و القامة تطول شبرين
و لما تمسك قلم و دفتر و تدرس علم وعربي و دين
و لما تكبر اكتر و اكتر و يتمم ربي بالخير
و لما نشوف البنت الحلوة تحكي حكاية عن قلبين

دودي الصغنونة البيضة الجميلة :

عارفة يا دودي .. حين كنت - بعد- صغيرة.. كنت أضيق ببعض عبارات المجاملة التي تقال لي مثل " يا بيضة .. يا عسل" ربما كنت أسترخص هذا الكلام و أتعجب ممن تصدر منه كلمات اعتبرتها رخيصة رغم أن مثيلاتها القيمة بنفس الثمن أو لنقل بدون ثمن ..أو ربما يكون السبب أن " بابا جدو محمود" أخبرني أن هذه الكلمات تعد من قبيل المجاملات السوقية .. تخيلي!! و كان يناديني أحيانا بالمانجو و المارون جلاسيه!!

لكني أتعمد وصفك بالبيضة لأن عقب ولادتك ارتفعت أثمان البيض في قطر بشكل تضخمي .. و لم يعد رخيص كما كان.. فمنذ عامين تقريبا كنا نشتري كرتونة البيض - يا بيضة - بسبع ريالات فحسب أما اليوم فتوقفنا عن شرائها لأن ثمنها وصل إلى ثلاثين ريال قطري!

البيضة الممششة

و ربما هناك تفسير "سيكوباتي" لرفضي السابق استخدام كلمة " يا بيضة " للمجاملة.
ففي أحد الأيام حينما كنت لا أتجاوز الثمان سنوات، كنت مصاحبة لأهلي في زيارة لأحد المعارف.

و لن يتاح لمعظم زائري هذه البيت إلا مقابلة أربعة أشخاص من أصل خمسة لهذه العائلة، فالأسرة مكونة من أب و أم وولدين يعيشان في شقة راقية تتكون من ثلاث غرف وحمامين و مطبخ و رسيبشن واسع و شرفة كبيرة، أما غرف النوم .. فالكبيرة للأب والأم و الوسطى للأولاد و هناك غرفة مترين في مترين لأخت الزوجة.
والزوجة هناا- يا دانة- كانت تطلق على أختها الصغرى لقب" البيضة الممششة " حيث كانت ترى أن كثير من العائلات لديهم" بيض سليم" وهم الأبناء الأصحاء.. السلام بدنياً و نفسياً و "بيض أخر ممشش" يتعلق بأي ابن ضعيف أو مصاب بأي نوع من أنواع الإعاقة أو ليست له مهارات إجتماعية أو قدرات علمية كبيرة، كمرضى التوحد أو المرضى النفسيين أو مرضى التأخر الذهني أو المصابون بإعاقات بدنية كالشلل أو الصمم أو أي مرض يعيق الاندماج الاجتماعي بصورته العادية.

دانة :

رغم أن كل ما سيرد في هذه الرسالة لا يتعلق بأشخاص
" مانجوليون " أو مصابون بأي تخلف ذهني، بل فقط أشخاص ليست لديهم القدرات الكافية للتكيف الاجتماعي بسب بوجود أي إعاقة نفسية كانت أو بدنية.. إلا أني أريد أن أضع بين يديك صورة لمجتمع الأسياد الأقوياء و كيف يتعامل مع مجتمع الضعفاء حتى لو كانوا أخوتهم أو أشقائهم من ذات الأب و ذات الأم.. حتى لو كانوا أبائهم أو أمهاتهم و أحيانا أبنائهم .. كيف ينبذهم؟!. كيف يهمشهم؟! كيف يلفظهم؟! كيف يعزلهم؟! كيف يؤلمهم وأحياناً كثيرة.. كيف يسحقهم؟!

مواء القطط .. الضآلة!

أذكر - يا دانة - شعوري عند سماع تعليق هذه السيدة التي وصفت أختها بأنها " بيضة ممششة " و رغم حداثة سني وقتها، إلا أني أتذكر أني لم أجد سوى الثلاث سباب التي كان يذخر بها قاموس شتائمي في هذه الفترة من العمر و التي كنت أتبادلها في الشجار مع خالو وليد"حمار.. كلب.. منيل"!

لقد تراءت في مخيلتي هذه الكلمات و لكنها لم تكن تفي بالغرض ولم تصف ما شعرت به وقتها من رغبة في التقيؤ أو شعور بالغثيان!
ربما كان الإحتقار هو التعبير الصائب، كما أعتقد أني شعرت بسخط مرير كون حديثها عن أختها مر على جميع الحضور الكبار مرور الكرام .. دون رد ساخط أو - حتى - عقد حاجبين للإظهار الرفض أو الإستنكار كما أتذكر وقتها أنه كانت المرة الأولى - يا دانة - التي سمعت فيها ردود الأفعال أو ردود الأقوال على نحو شبيه بأصوات مواء القطط، الضآلة! مجرد أصوات تعني أن هذا موجود في الحياة.. أو ربنا يكون في العون .. أو بمعنى .. هيه دنيا .. ظروف.. كله بثوابه .. عديها وعيشي .. حتى أن واحدة من الحضور أثنت على دقتها في التعبير و كأنها أتت "بالتايهة " !!! وانتشلت السيدة التعاطف الذي كانت تنشده من الحضور!ا

لاحقا، علمت- يا دانا- أن هذه الكائنة والتي علمتني الدرس الأول في الاحتقار قد رزقت فن الاستغلال بشتى أشكاله، استغلال المواقف و استغلال الناس و استغلال المناصب و استغلال المعارف .. فكانت تشيع أنها على صلة وثيقة بعلية القوم من عائلات كالأتاربة و غيرهم و هم يمثلون أحد أكبر العائلات في مصر بعد الأباظية .. علماً بأن الأباظية و الأتاربة في مصر يوازيان الكوارية و العمادي و المعاضيد و المهندي و العبيدان في قطر و القحطانية و المري في السعودية.. و العوضي و المنصور و الكعبي في الكويت.. و عائلات آل روكفلر وكيندي وروزفلت في أمريكا.. فكانت هذه السيدة لا تمرر جلسة إلا و أذاعت فيها أنها كانت مدعوة لدى العائلة الفلانية، فتقول مثلاً:" أوه تذكرت .. على واجب مجاملة.. لأن بن شوشو اتجوز .. إيه رأيكم؟ أعتقد جنيه ذهب يلوحه.. و احطهوله في بونبونيار كريستال .. لا لأ .. الولد مش هيصدق نفسه!!"

بعثة إلى مجتمع الداخلية

كما أنها أجادت - يا دانة - فن الاتصال بالمعارف .. فتتصل بمعارفها و تزعم عدم قدرتها على إتمام المحادثة لأنها داعية على العشاء الوزير الفلاني و حرمه و السفير العلاني و أسرته .. فتمكنت مما أرادت و هو رسم صورة مزيفة لنفسها لتوحي للجميع أنها تضع السلطة في جيب معطفها ..
و بالإضافة لإستغلال الناس .. تمتلك هذه السيدة قدرة و مهارة عالية في إستغلال كل موقف و تحويله لصالحها.
وأتذكر- يا دانة- أنها أول مرة قابلت فيها " بابي ياسر " حدثته عن تربيتها في المدرسة الداخلية، حيث إبتعثها والدها لتتعلم كيفية الاعتماد على الذات، و جلست أنصت إليها بانبهار سلبي كبير و أنا أراها و هي تصنع من الفسيخ شربات.. و أتعجب كيف تتمكن من فرض أكاذيبها على الحضور الذين يعلمون ماضيها كونها سليلة أسرة مفككة لأابوين منفصلين - و لا يعيبها ذلك- أراد والدها الزواج من أخرى .. و التي اشترطت عليه أن تتزوجه " مشفي" دون شغت أبناؤه.. ما اضطره لترحيل أو لنقل لإبتعاث إبنتيه إلى أحدى المدارس الداخلية.. التي لاقت فيها هذه السيدة ما تلاقيه معظم الفتيات أبناء الأسر المفككة.. بعدما يستخدم فيها الأب حقه في الزواج بأخرى والإنجاب من أخرى و لا يفكر وقتها أو بعدها في واجبه حيال ضرورة قيامه بدور في تطبيع علاقة زوجته بأبنائه أو الأشقاء بالأخوات- علما بأن حتى الأنبياء فشلوا في تطبيع العلاقة بين أبناؤهم.. أخوة و أشقاء و أستشهد بأخوة يوسف على سبيل المثال-
وعاشت هذه السيدة حياة باقي المقيمات في مجتمع الداخلية والتي هي أشبه بالإصلاحية، فإهمال الأهل حقيقة واقعة لهذه الفئة، ناهيك عن شتى مشاكل المدارس الداخلية سواء مشاكل نفسية أو سرقات أو تعلم أشياء سابقة لأوانها وصولا لمشاكل ....

الإستغلال فنون

أتذكر كيف كانت تستغل هذه السيدة موت أحد أقاربها التي قاطعتهم منذ أكثر من عشرين عام لتتمكن من أخذ استئذان نصف يوم لأداء واجب العزاء! و الغريب حقاً، أنها كانت تجاهر بأنها تمكنت من استغفال مديرها..
علما بأنها هي من أشاعت أن مديرها هذا، ما هو إلا عميل يتجسس لأحد الدول الأجنبية.. و كانت تتباهي أنه يستشيرها و يسألها عن اتجاهات الناس و مواقفهم وعن درجة غضبهم عقب غزو صدام للكويت و كانت تجيبه بكل ما يريد و تختم حديثها ب: ياس سير!!!

لا يغرنك تعويج العنق و لباس الصوف والثوب الخلق
و خشوع المرء في ظهره و هو في الخلوة نتن حنق

أما إستغلالها لتطلع زوجها في الحصول علي منصب وزير، فقد وجدت لها حلاً جهبذياً ، فقد اتصلت بجميع معارفها مدعية أن الوزارة قد عرضت على زوجها لكنه رفض بإباء و شمم.. لأنه زاهد في أي منصب سياسي كونه يريد أن ينأي بنفسه عن ألاعيب السياسة .. القذرة !
أما هي فقد كانت تعمل سكرتيرة في مؤسسة أجنبية موهمة الجميع أنها حاصلة على الدكتوراه و الجميع خارج هذه المؤسسة ينادونها بالست الدكتورة، رغم أنها لم تكن قد أكملت تعليمها الإعدادي - و لا يعيبها ذلك- إلا بعد عشر سنوات من تخرج أصغر أبنائها.
و هذا الأخير لم يسلم أيضا من إستغلالها، فقد غرست فيه أنها هي التي توسطت له للحصول على عقد عمل و كان أيامها ب 7 ألاف جنيه مصري، و أعلنت للجميع أنها قد أنذرته بأنه لو لم يشارك في مصروف البيت فستتوسط لدى مديره لرفده من منصبه.. و بالفعل قام بدفع الإتاوة شهريا.. فتمكنت من تجديد بيتها و تبيضه و تجديد الأثاث.. "و كله لكم يا أولاد في الأخر .. هو في حد بياخد حاجة معه في القبر.. ده الكفن ما لوش جيوب !!"
وإذا كانت ترى لها حقا في استنزاف إبنها على هذا النحو فلك أن تتخيلي- يا دانة - ماذا فعلت في أحدى زوجات إبنيها.. و كيف سعت لتطليقها و كيف إستولت على أثاث بيتها و ذهبها و أبناؤها.. و الكل صامت أو لنقل رافض بصمت.." و ما لوش لازمة يا سوسو .. و كبري دماغك يا سو .. و ليه العصبية دي.. صحتك .. دا أنت عند الضغط و قولونك عصبي .. الطيب أحسن.. مهما كان .. هي أم أحفادك.. و بلاش يا ستي موضوع القضية و تشويه سمعة البنت .. أنت عارفة .. هي من نفسها مش هتقدر تصرف عليهم و هترجعهم" !!

شهقة إعجاب " بالأملة "

نموذج أخر لقدرتها الجهنمية في إستغلال كل موقف و أي موقف، فقد تزوجت هذه السيدة من رجل صاحبته في الإقامة في إحدى مدن الأقاليم لفترة تبعاً لظروف عمله ثم صاحبته بعدها في أحدي الدول الغربية لاستكمال دراسته العليا، و كانت تروي لكل من تقابله كيف كان أقاربها و معارفها ينبهرون بها و بتضحياتها عند زيارتها و كيف كانوا يشيدون بتواضعها وبكيفية تعايشها في مدن الأقاليم في ظروف حياة قاسية وصعبة .. لم تعتدها.. في شقة صغيرة غير مؤهلة، وحينما سافرت للخارج روجت لصورتها كمكافحة، عصامية، بدأت الُسلم من أوله .. مدعية أن الجميع كانوا يتعجبون كيف إستطاعت أن تتأقلم في مختلف الظروف في بيت يخلو من أشياء ضرورية للغاية، وكانت الدكتورة المزعومة حريصة على أن تروي أي إشادة لها على لسان الناس، فالناس هم من إنبهروا بها وبقدرتها على الصبر و الناس هم من أشادوا بتأقلمها في بيئات مختلفة سواء في الأقاليم أو في الغرب .. بينما هي لم تقل حرف واحد عن نفسها.. فلا يشكر في نفسه إلا الشيطان الرجيم و العياذ بالله.

العفن الإنساني!

الشاهد- يا دانة - أن السيدة المحترمة حينما كانت تزور أبنائها و زوجاتهم أثناء سفرهم للعمل بالخارج، كانت ما أن تدخل عليهم حتى تشهق شهقة إعجاب" بالأملة "التي يعيشون فيها رغم إقامتهم في شقق شديدة التواضع كونهم مغتربين يبدءون حياتهم من الصفر و كانت تقول لهم
:" الله .. لا لا لا .. بيتكم فخم جدا.. ما شاء الله.. مش ناقصكم أي حاجة.. يا بختكم .. إش إِش إش.. دي حاجة عظيمة جدا.. ده أنتم بتصرفوا كتير على الأكل و مدلعين نفسكم خالص.. فين أيام ما كنت زمان بأشقى و اأتعب .. أنا عشت سنين على الكوتيتج (الجبن القريش).."
مع أن والدها قد شرا لها شقة راقية و جعلها تقيم في مستوى كبير .. بينما قام زوجها بإدخال الأبناء أغلى المدارس و الجامعات.. وعاشت في أفضل أو من أفضل المستويات المادية و الإجتماعية مع زوجها الأكاديمي و سافرت للسياحة في الكثير من دول الأجنبية و إذا ما إحتاجت علاج أو عمليات جراحية.. فكان زوجها يصر على أن تجري لها خارج مصر .. و لم تركب يوما المواصلات العامة كما استخدمها أبناؤها و زوجاتهم.. لكنها كانت تخشى أن تمدح أبناؤها أو زوجاتهم أو الإشادة بصبرهم على قسوة الحياة في بدايتها " إستخسارا في تقدير زوجات ابنيها بكلمات مشجعة مخافة أن " يتمرعوا" أو خشية أن يزداد احترام و إرتباط أبنائها بزوجاتهم .. فلم تُسمعهم يوماً:" ربنا يكون في عونكم .. كلنا بدأنا على هذا النحو .. لكن بالصبر كل شيء سيأتي.. و سيزداد ترابطكم و تقديركم لبعض" بل كانت تحفز زوجة ابنها - والتي كانت تتباهي أن عمها كان وزير سابق- و تقول لها
: لازم تساعدي جوزك و تشتغلي.
: طب يا تانت أترك الأولاد فين؟
: بسيطة .. و فيها إيه لما تشتغلي "بيبي سيتر" في البيت عندك ..على فكرة بيدفعوا بالساعة..
و ممكن تحصلي 60 دولار في اليوم على الرأس!
و بالفعل عملت زوجة ابنها كجليسة أطفال- و لا عيب في ذلك- و لكن كل العيب أنها كانت تعايرها لاحقا بوظيفتها الوضيعة "و أنت نسيت نفسك و لا إيه؟!" و تذيع في مصر أن زوجة ابنها اضطرت للعمل كجليسة أطفال لتوضع من شانها في المجتمع المصري الذي لا ينظر لهذه المهنة بذات الطريقة التي يتعاطى بها الغرب.. و لتظهر كيف تمكنت من وضع أنفها و أنف أهلها في التراب!

تعرفي يا دانة :

أنا لا أتعجب من نموذج هذه السيدة و الذي يمثل مثال صارخ للانتهازية و العفن الإنساني، و لكن أندهش أكثر لكثرته و لسطوته و لقدرته التسلطية على الناس، فأنا لم يستوقفن فقط نعتها أختها " بالبيضة الممششة" و تفاخرها بإجبارها زوجة إبنها على العمل كجليسة أطفال و لكن كنت أسخط من صمت السامعين و معاملة الظلمة كما يعامل الكرام!!

الشياطين الخرس

ستقابلين - يا دانة - عدد ليس بقليل في هذه الدنيا من نوعية - الشياطين الخرس- مضفين على قرار الصمت سمت الحكمة ونعت التأني و كثيرا ما ستسمعين في حياتك - يا دانة -أصوات ستنادي بضرورة عدم الاستعجال في اتخاذ القرارات و معاداة الناس.

ليت شعري.. هيهات.. هيهات
شعري أبكم
هيهات.. هيهات..
جمهوري أصم
هيهات.. هيهات..
شعبي يرى يشاهد الدم
ثم ينام يحلم و لا يهتم
ليت شعري يجدي يصيب أو يسهم
(داليا الحديدي)

" خالتك ساكسونيا "

وإذا كان المثل يقول "حدث و لا حرج " إلا أني أحدثك و أنا كلي حرج ، فإذا كان مصطلح "البيضة الممششة" قد مرره الجالسون كما يمرر أعضاء مجلس الأمن قرارات الفيتو الأمريكي بكل ما يخص فلسطين و العراق و الدول الضعيفة، فماذا أقول عن مصطلح " خالتك ساكسونيا"؟!

ففي أحد المرات حكت لنا هذه السيدة على طرفة لتضحك السامعين، فسعيها للإستظراف جعلها تقص على الحضور أن أحد أصدقاء أبنائها قد زارهم يوماً، فلمح خالة الإبن و هي تخرج من غرفتها لتذهب للحمام، فقال لصديقه" هي خالتك ساكسونيا دي ظروفها إيه؟ و إنفجر الحضور بالضحك على " الخالة ساكسونيا " .. تخيلي!!
تذكرت هذه الواقعة- يا دانتي- حينما قرأت مذكرات يحي حقي .. فقد ذكر كيف تلقى من والدته صفعة قوية على وجهه حينما وصف سيدة سمينة بوصف غير لائق، ولم يستح من ذكر تحذير والدته بان سوء خلقه مع الناس سيجعله يسمع يوما ما تعليق قاس يتعلق بقصر قامته و أن أحدهم قد يقول له بأنه لا ينفع إلا أن يكون لاعب سيرك يمشي على الحبل في فقرة المهرج!!

كم أود أن تدركين الفرق بين أم صمتت على خطأ ابنها و مررته ضاحكة أو بررته أو سكنت من قسوته مدعية أي إدعاء حكيم أو أي مسمى عقيم "دي ساعة غضب.. دي زلة لسان".. و أم وقفت وقفة بل استوقفت إبنها و حذرته و نبهته و هددته و ربته و أخرجت للمجتمع أديب بكل معنى الأدب !

ليت شعري كالأمس مجد و فخار و إزدهار
عار عليه اليوم ضعف و إنكسار عار على عار
ليت شعري كما كان لغة أقوى الأديان..
إلا أنه الآن .. لغة ضعاف الإيمان
ينطق على استحياء .. في بعض الأحيان
صبراً، مهلاً، الحكمة الحكمة يا أبناء
ليت شعري يعلوا صوت الحكماء...
إلا أنه لاشيء.. يعلو على صوت ..الحكماء
(داليا الحديدي)

فينوس = الجمال الناقص

يبقى - يا دانة - أن أوضح لك انه كان لهذه " الخالة سكسونيا " أسم جميل فهي لم تولد " سكسونيا " و شكل أجمل فهي سيدة جميلة و بحق.. و لكنه جمال صامت لأن الشخصية الثرية هي التي تضفي الحياة و البريق على جمال المظهر.. و لكنه جمال ناقص ..
و لكن ألم ُينحت تمثال فينوس مقطوع الكتف للتدليل على أن كل جمال، لابد أن ينقصه شيء لأن الكمال و الجمال لله وحده؟!
ألم يرزق سيدنا يوسف عليه السلام شطر الجمال و نقصه الشطر الآخر و قد اعتبر الأمر ممدوحة في حقه .. لا نقيصة!

الشاهد - يا دانة - أن الخالة سكسونيا كانت لديها يوما ما عائلة جميلة و أم رائعة الجمال .. ربما كانت في يوم ما " تحكي لها أجمل حكاية عن قصة حب و قلبين" و يقينا أقيمت لها حفلة عقيقة أو سبوع كبيرة احتفالاً بقدومها للحياة .. و مؤكد أن جميع أصدقاء العائلة و معارفهم جاءوا مباركين و مقدمين الهدايا.. و لا أشك أنها حظيت في طفولتها بأب خاف عليها من الحسد وعيون الناس عقب إقامته حفلة عيد ميلادها .. كما كانت لها أخت أكبر تلعب معها دون حساب و دون خوف من المستقبل ..
و لكن يبدوا أن هناك من يفرق بين إبن ينتظره والده ليكون سند له في المستقبل و بين إبن يمثل عبئ ..و ينتظر أن يبحث له والده عن سند في المستقبل.. و شتان الفارق بين الإبنين!!

كما أؤكد لك يا - مادونا - أن "ساكسونيا " لم تكن لديها أي إعاقة ذهنية، بل كانت إعاقتها تنحصر في ضعف السمع الشديد منذ الولادة، أدى إلى تلعثم في النطق مما سبب خجل إجتماعي بسيط في البداية، و لأن الأب و الأم قد إنفصلا، و لم يتحمل والد هذه البنت سوى نفقات المدرسة الداخلية و بعض الزيارات- علما بأن هذه الحالات تحتاج لجهد كبير للتأهيل للحياة داخل المجتمع- لكن الرجل اضطر للتفرغ لحياته الجديدة مع زوجته الجديدة وأولاده الأحدث و تفرغ أيضا للعمل و مسؤولياته الجديدة، لذا فكان من الطبيعي أن تتدهور حياة الابنة الجميلة بالكامل حتى" مششوها "يا دانة!
حتى حولوها "لسكسونيا " كما أصبح يحلو للأبناء مناداة خالتهم بهذا الإسم .. فتضحك العائلة جمعاء بصوت عال و بقهقهة مدوية.

أب بشهادة الميلاد .." أم كليشنكان" و أخوة يوسف!

هل تتخيلي - يا دانتي- أن حالة إنسانية لم تكن مصابة سوى بضعف سمعي أدي لصعوبة و تلعثم في النطق، تبعه خجل اجتماعي، تنهار على هذا النحو؟!
من الذي جعلها "سكسونيا" ؟!
من الذي حولها ل"سكسونيا" ؟!
من يا دانا ؟ من؟!
يا سبحان الله يا دانة، أنا أتعجب لأني أعلم أن حالات أضعف و أقل من هذه مئات المرات إلا أنها تلقت رعاية و عناية وعاشت أوضاع أفضل بكثير بفضل الله الذي سخر لهم أباء و أمهات و أخوان على قدر من المسؤولية و المروءة و الإنسانية، بل أتذكر إني شاهدت حالة الدكتورة زينب و التي عرضها - زمان- برنامج " فرسان الإرادة" و الذي أشاد بجهد أم الدكتورة زينب التي تمكنت من مساعدة إبنتها حتى حصلت على الدكتوراه، رغم أن ملامح الابنة غير طبيعية و لا أريد أن أوضح أكثر من ذلك!!
و هنا - يا دانة - تيقنت أن الأمر لا يتعلق بخطورة مرض أو صعوبة حالة، بل بظروف أخرى، فهل هناك أب حقيقي و أم معتبرة و أخوة على قدر من الإنسانية.. أم هناك أب بشهادة الميلاد و" أم كل شيئ كان" و "أخ .. سوري" أو أخوة يوسف!

أذكر ما قامت به الدكتورة الإفتراضية في أحد الأيام و نحن حضور و قالت بعد أن خبطت يدها على رأسها :" اوه.. لقد نسيت المرور على محل الكباب .. فسكسونيا "مغلباني" لأنها لا تأكل من اللحوم سوى الكباب و الكفتة، فخرجنا معها لشراء الكباب" للبيضة الممششة "وسط دهشة و لنقل ريبة الجميع، فأخرجت بزهو أربعون جنيها - ثمن كيلو الكباب وقتها- لتثبت للحضور أنها سخية .. وفية مع أختها و عدنا إلي بيتها.. و علمت من الخادمة أن كيلو الكباب هذا يوضع في البراد لمدة شهر حتى يتقدد، حيث لا تأكل أختها سوى نصف أصبع كفتة في اليوم لا أكثر و لا اقل مع معلقة أرز و ثمرة فاكهة رخيصة.. و تذهب الخادمة لتدق على الباب .. ثم تضع الصينية على الأرض.. علما بأن باب غرفة الأخت الصغرى له مفتاح يتم إغلاقه من خارج الغرفة في حالة وجود ضيوف مهمين.
أيضا و لأن هناك حمامين في البيت فتشارك الخالة سكسونيا الخادمة في إستخدام الحمام الصغير بينما الأب و الأم و الأولاد يتشاركون في الكبير!
و نظرا لأن الدكتورة المزعومة لاحظت أن" سكسونيا " تفرط في إستخدام الصابون، فوجدت أن الحل الأمثل لهذا الإسراف هو وضع صابون غسيل صحون مربع الشكل لا رائحة له لاستخدامات "ساكسونيا "والخادمة.. بينما تقوم هي والعائلة باستخدام صابون التموين و عند وجود الضيوف، يظهر صابون" فا".." لوكس" أو "دايل" في الحمامات.

دانة :

قبل أن تدخل "ساكسونيا " سجنها أو قبرها الذي ماتت فيه.. كانت قد دخلت في يوم من الأيام هي و أختها الدكتورة المزعومة للحياة من ذات المدخل و استقرتا في ذات الرحم و خرجتا من ذات البطن و ارتويتا من ذات الضرع و عاشتا - يا دانتي- في ذات البيت كأميرتين معززتين مكرمتين، إلى أن شاءت الظروف أن ينفصل الأب عن الأم، فاستخدم الأب حقه في الزواج بأخرى، و لأن عدد من الأباء لا يدركون سوى مسؤوليتهم التمولية تجاه أبناؤهم، فقد إكتفى من واجبات الأبوة بوضعهما في واحدة من أفضل المدارس الداخلية ، ثم مضت السنون و تباعد البيض عن الرحم و أهمل الراعي الرعية، فكانت النتيجة - يا دانة- مدمرة بل و ساحقة.

لازلت أذكر يا دانة أول مرة سمعت فيها القسم ب" تربة بابا " و الذي جاء على لسان هذه السيدة الإنتهازية التي أطلقت على أختها لقب " البيضة الممششة" و عاملتها على أنها سم قاتل!
وأتساءل مع نفسي ماذا ستقول " للبابا " الذي تقسم بتربته إذا قابلته على الصراط أجلا .. و كيف ستقف بين يدي رب البابا ؟!
فأين مشاعر الأخوة أو أين المشاعر الآدمية؟ رغم أنهما قابعتان في ذات البيت، والأخت الصغرى ضعيفة و مسكينة و لا حول لها و لا قوة!

قيل لي - يا دانة- أن الخالة سكسونيا هذه كانت فتاة جميلة .. رشيقة .. بيضاء لا يعكر صفو هذا الجمال سوى ضعف السمع و التلعثم، فسألت عن سبب تدهورها، فقيل أنه عقب وفاة الأب، لم تشعر الأخت بأي واجب تجاه أختها سوى الواجب المادي.. وكون هذه الأخت تجمع بين صفتي الانتهازية والبخل، فكان يثير ضيقها أن تذهب أختها للمصفف الشعر"الكوافير"- مصاريف برضه - و كان يجن جنونها إذا ما طلبت أختها ملابس جديدة.. ناهيك عن عدم تحملها لمصروفات التاكسيات إذا ما أرادت الذهاب لأحد المعارف..أما عندما شرعت في وضع طلاء الأظافر، فقد أثار لديها هاجس أن تتعرف البنت على شخص ما " بياع سبارس- بقايا السجائر- على حد تعبيرها" يضحك عليها و يتزوجها.. و بالطبع من رابع المستحيلات أن توافق "البيضة الزفرة" أن يؤول ميراث أختها" البيضة الممششة" لإنسان "هلفوت" استغلالي .. فيكفيها أن والدها قد ضحكت عليه سيدة " ألعبان" على حد تعبيرها أيضاً- تزوجته و أنجبت منه الولد .. ما يعني أن نصيبها في ميراث والدها قد تقلص للغاية وهو ما أدي لإصابتها بالقولون العصبي !
فكان قرار الإغلاق أو السجن الانفرادي للخالة "ساكسونيا ".. الذي عاشت فيه نحو عشرون عام أو يزيد إلى أن توفاها الله.
و القرار على قسوته، إلا أن أحدا - يا دانة- و حتى يومنا هذا لا يعرف من الذي أصدره، هل الأخت الكبرى هي التي سجنت أختها في غرفة النوم طوال هذه المدة ؟أم أن البيضة الممششة التي عانت من عنت أختها هي التي قررت أن تنعزل عن هذا العالم الذي خذلها بمن فيه؟!

لكن المؤكد أنه منذ مطلع الثمانيات و حتى وفاة الأخت الصغرى منذ عامين تقريبا، لم تخرج سكسونيا من غرفتها الضيقة.. لم تخرج إلا للحمام أو للشرفة أحياناً، فالأخت التي كانت تخرج و تزور و تروح و تأتي و تذهب للكوافير و تقابل الناس .. بدأت تنزوي و تصمت ثم ألقت بالسماعات ثم شرعت في إغلاق الباب عليها فترات طويلة - علماً بأن غرفتها خالية من أي أجهزة راديو أو تلفاز أو هاتف أو حتى مروحة – فبدأت البيضة في التمشيش!

فليست تحيي الشمس عند شروقها و ليست تحيي الشمس حين تغيب
و من عصبت عيناه فالوقت كله لديه و إن لا الصبح غروب
إذا سقيت زادت ذبولا كأنما يرش عليها في المياه لهيب
أيا زهرة الوادي الكئيبة إنني حزين(ة) لما صرت إليه كئيب
و أكثر خوفي أن تظني بني الورى سواء وهم مثل النبات ضروب
أسرك يا أخت الرياحين مفجع و موتك يا بنت الربيع رهيب
(أبو ماضي) بتصرف

و اتجهت "ساكسونيا " للصمت خاصة حينما وصل إلى سمعها الضعيف تعليقات أبناء أختها أن " صوتها محشرج و عامل ذي صوت الرجالة الخناشير" فآثرت السكون.. و بعد فترة ألقت بالسماعات فلم تعد بحاجة لهم، فلقد شعرت أن أحداً لا يريد السماع لها .. فقررت المعاملة بالمثل و كابرت .. و اختارت أو ربما أجبرت على اختيار العزلة التامة والبعد عن جحيم الحياة و زهدت في تناول الطعام حتى هزلت و أصبح وزنها لا يتعدي في أغلب الظن 39 كيلو مع طول لا يتجاوز بأي شكل 160 سم تقريبا.

و إذا رآها أي إنسان، لم يكن ليقول أن هذه هي ذاتها الفتاة الجميلة التي كانت تملأ بيت والدها بهجة و فرح و براءة. . فلا شك أنه سيعتقد أنه أمام سيدة تستحق و بجدارة لقب " الخالة سكسونيا"!!! فقد صارت أشبه بالمجانين، لا تصفف شعرها مطلقا.. تمشي مشية مرتعشة..رثة الثياب، ولم تعد تطلب الجديد منها .. و قد استراحت الأخت الزفرة على هذا النحو و أصبحت تعطيها مما تلفظه خزانتها.. حتى الأساور الذهبية التي كانت تضعها فتحدث دوي خفيف .. اختفت تماما من معصمها..

عـزّت الكلمة عليهم كأنها شي.. مـو بيديهم
وكـل ما ضاقت علينا ..عذبـونا الله يهديهم

مـن زمن والقلب صابر.. ينتظر لو حلم عابـر
ليتنا بس مـا شـكينا.. ليت ظـلينا نكابـر
(صدى الحرمان)

و قد تمكنت البيضة الزفرة من الترويج لنفسها بأنها ليست من النوع الذي يستغل أختها المريضة في المطبخ أو عمل أي شيء في البيت بدعوى أنها لن تستغل أختها كخادمة .. مدعية أنها أتت بالخادمة خصيصا لتحضر لها كل ما تحتاج ..

و بين الحقيقة و بين ادعاء الدكتورة المزعومة بون شاسع .. فقد منعتها من استخدام المطبخ كليا للسيطرة تماما على أي شيء في البيت فهي من يصدر الأوامر للخادمة بنوعية الأكل الذي سيشترى بعد أن توصيها بضرورة الفصال أيا كان الثمن.. و هي التي تحدد عدد أكواب الأرز التي ستطبخ و هي التي تراقب دولاب الخزين في المطبخ لتعرف الصادر منه و الوارد لمنع الإسراف .. و أخيرا هي الأخت الحنون التي لا تستغل أختها في عمل أي شيء في المطبخ .. بل أن الطعام يصلها حتى أسفل باب غرفتها.

استبيحت سكسونيا حتى ماتت كما فلسطين حتى ضاعت

و حتى قبل السجن الانفرادي - يا دانة - و قبل الثمانيات، لم تر الخالة "سكسوني"ا في أي فرح أو مأتم أو أي مناسبة اجتماعية، و بالطبع كانت أختها الكبرى تقيم أربع احتفالات سنوية بمناسبة أعياد ميلاد أفراد العائلة تدعوا فيها جميع المعارف، و لم ُتسأل لماذا لم تحتفل يوما بعيد ميلاد سكسونيا؟! " اهو ده اللي ناقص" تحتفل بسكسونيا!! منذ متى يستخدم "البيض الممشش" في صنع الحلويات وإقامة الحفلات؟! و يقينا لم تحضر سكسونيا فرح أي من أبناء أختها الكبرى لأنها لن تشرفها أمام المدعوين من صفوة الأتاربة و أباظياتهم ! و ثقي يا- دانة - أن "ساكسونيا " ليس لها صورة واحدة لها تجمعها مع هذه الأسرة التي عاشت معها ما يزيد على عشرين عاماَ!!

و لا أحد يسأل، بل الكل مقدر الظروف !! فقد استبيحت سكسونيا حتى ماتت.. كما استبيحت فلسطين حتى ضاعت! و كم أود لو شاهدت يوم القيامة لقاء الأخت الكبرى بوالدها، و كم أحمد ربي أني عندما التقيت بهما كنت لازلت صغيرة مرفوع عني القلم حتى لا تغمرني اللعنة.

هل كانت تخشى الأخت الكبرى أن تتزوج أختها الصغرى، فترزق بزوج و أبناء يرثوها؟ لا أشك في ذلك .. وإذا كان بعض الظن إثم .. فإن هذا معناه أن البعض الأخر من الظن و القائم على شواهد .. ليس بإثم ..

حظر التجول في الحياة

فقد تمكنت "البيضة الزفرة" من إحكام السيطرة على نصيب "البيضة الممششة" في الميراث سواء أرض أو مصاغ أو عقار سيطرة كاملة .. و لم يحتاج الأمر منها رفع دعوى حجر .. بل بصمتها على كل الأوراق المطلوبة من توكيل و سواه.. و أحكمت السيطرة عليها هي أيضا و فرضت عليها حظر التجول في الحياة.. و لم تعطها الحق سوى في المبيت في غرفة مترين في مترين و حق تناول فتات الطعام و رث الثياب.

بصيص أمل .. مفقود

ترى - يا دانة- لو كان لدى" الخالة سكسونيا" بصيص أمل في إمكانية أن تجد نصرة من أي مخلوق على وجه البسيطة ..أما كانت هجرت خيار العزلة و الانزواء و السجن الانفرادي؟
لكن حتى بصيص الأمل كان مفقوداً.
الم تهدد بالصمت فترة بل سنوات؟
الم تنزوي و تزهد في الطعام و تأكدت من أن أحدا لا يكترث ؟
الم تلقي بالسماعات و لم تجد من يدعوها لمعاودة استخدامها؟ لأن أحدا لا يعنيه محادثتها أو سماعها فما بالك بتحمل مسؤولية الدفاع عنها..
ألم تتأكد - فعلاً -أن أحداً لا يريد التواصل معها ؟
ألم تنظر غضباً و شظراً لكل من تقابله و لم تر يوما ضاحكة أو مبتسمة منذ فترة الحبس الانفرادي و حتى ماتت؟! و لم يأت أحد ليصالح أو يداوي أو يعالج أو يحب .. إذن فلن تتسول المحبة أو الاحتواء من أي كائن كان!!

لا تطلبن محبة من جاهل .. المرء ليس يحب حتى يفهما

(أبو ماضي)

ما من مكترث .. فلا أخ أنقذها و لا شقيقة رحمتها والأم الرحيمة ماتت و تركتها.. و الباقي بين من هو مشغول في متابعة مباريات المنتخب ومن هو مهموم بالبحث عن فرصة عمل في الداخل أو الخارج و من هي منشغلة بإقامة الولائم تستضيف فيها نخب المجتمع .. و من هو مهموم بالغلاء و الدروس الخصوصية.

تدرين الكل .. يجهلهم يجرحوني
وكل ما أقرب .. من مشاعرهم
بقسوة يبعدوني و يبيعوني
من أعاتب ؟؟ وليش أعاتب؟؟
وأنا أدرى
مالي في الدنيا
سوا قلبك .. مكان
أمي .. أمى
الله يرحمك.. كنت معي..
كنت معي .. زمان
(صدى الحرمان)

طعام .. شراب و مأوى

حتى لو لم تدرك ذلك بعقلها الصغير.. حتى لو لم تكن تنطق هذه الأبيات بلسانها الثقيل .. إلا أنها - يقينا - بشر يشعر، و قد مات والدها ووالدتها.. و راح كل نصير، علما بأن الأب من الأساس لم ينصر إبنته و تركها و لم يعرف أي مسؤولية تجاهها سوى توفير المادة.. فلم يغرس في الأخت القوية واجب حماية أختها الضعيفة.. فكيف نتجنى على الأخت الكبرى؟ الم توفر لها المأوى و الطعام و الشراب؟!

دانة :

يقينا لم تشعر "سكسونيا " بإعاقة سمعية فحسب أو إعاقة في النطق فحسب، بل المجتمع كله أعاق حقها في الحياة وفي العيش الكريم و لم يفكر إنسان في تعليمها مهارة تتكسب منها أو هواية تنمي قدراتها.. ناهيك عن عجزها من الأساس في التجرؤ في طرح حلم الزواج .. لم يسع أحد لتطويرها أو تنمية أي مهارة لديها .. حتى أن بقايا السمع لديها تدهورت بعدما اقتصر حقها في الحياة على حقوق الحيوانات.." طعام .. شراب و مأوى" لم يبال أحد بالسؤال عنها إلا كسؤال المراكبية.

: كيف أحوال أختك؟ بخير .. ربنا يطمنك .. خللي بالك منها.. حطيها في عينك .. أه.. تي أمانة .. الله المستعان..
و الضمير مركون و في رحلة استجمام سرمدية.. فكانت النهاية متوقعة.. فقد تم التعامل معها على أنها عبئ ثقيل.. كريه، يرجى أن ينزاح في القريب و قد كان..علماً بأنها افتقدت أكثر ما كانت في حاجة له .. فقد كانت في أمس الحاجة للحب ممن هم مفترض أن تتعكز عليهم ..من أقاربها .. أن يتم سماعها بحب .. تمنح الطعام و الشراب بحب .. تصاحب من الأهل بحب .. تعالج بحب.. تهادى بحب . . وشتان بين الواجب والحب!

و كم أود – يا دانتي- لو وعيتي قصيدة " خيانة عكاز" للشاعرة القطرية المعاقة التي رحلت منذ بضعة أعوام" صدى الحرمان" فهي أقدر من عبر عن كل من عاني بأي إعاقة :

أبـــد لا تحــزني" ُيمـــه" إذا خـــانتني رجــليني ..
و إذا كلٍٍ شــكا همّه و أنا همـي بقى في
و إذا خنجــر صداقتهن غرس حده وســـط قلبي ..
و إذا عكازتي خافت من أنها تسند إيديني

ولا تبكــين يا "ُيمــــه" إذا عمــــري غدى دفـتر ..
وكلٍ يمــــزع أوراقـــــه ولا ظــنه يكـــفيني
أبد لا يجزع إحساسك لا شفتي البعض يجرحني...
و إذا ضاع الوفا فيهن وضاعت معهن سنيني

أيعالج الجاني المجني عليه؟

و لكن تعرفي - يا دانة- لم تكن البيضة الزفرة شر مطلق، بل كنت أراها تصلي ..الفرض بنوافله.. صحيح من الممكن أن تحصل على أحد جوائز" الجنيس ريكوردز" في الصلاة السريعة، إلا أنها كانت تسقط عنها الفريضة، و كان لها ورد خاص بها ..و صحيح كانت تجاهر بكل قرش صدقة كان أو زكاة تصرفه في وجه الخير و لكن كنت أتلمس لها أي محمدة.. كون البخيل يشعر بألم بالغ حالة الإنفاق، فكنت أقدر لها إستمرارها في منح الشهرية التي تخصصها لكفالة أحد الأيتام.. كما علمت أنها أدت فريضة الحج بمصاحبة زوجها و عادت و قد إرتدت الحجاب .. إلا أن الحج لم يمنعها من تبادل القبلات الودية أو "الفرندشيب كيس" مع أصدقاء زوجها الأجانب و أمامه و برضاه!

وكنت في حداثة سني .. أرى إزدواجية في هذا الأمر، لكن شيئا فشيئا أدركت أن الأمر لا يتعلق بإزدواجية في الشخصية لأنه لا يوجد شر كامل بصورته التقليدية.. كلنا نخطئ و نصيب .. و لسوف تندهشين - يا دانتي- أننا -أيضا- كلنا نجرم و نثيب!

*ألم يكن لصدام حسين أياد بيضاء على عشرات الحالات المرضية التي أمر بعلاجها على حسابه الخاص؟!
*ألم نسمع عن تبني كثير من الحكام الديكتاتورين في الدول المسحوقة لحالات مرضية يرسلونها للعلاج في الخارج على نفقة الدولة أو على نفقتهم الشخصية ؟رغم أن سجون هؤلاء الزعماء عامرة بالمعتقلين و المظلومين معاقين و غير معاقين ؟!
* ألم نشاهد موائد الرحمن المخصصة للفقراء والمساكين و التي تنفق عليها راقصات فضليات؟
*ألم نقرأ عن خبر قيام عارضات الأزياء في الولايات المتحدة بالتعري (عري تام) والتبرع بقيمة صورهن العارية المنشورة في المجلات لصالح علاج مرضى الإيدز؟
*ألم نندهش من تخصيص كبار رجال أعمال مبالغ مهولة للجمعيات الخيرية ثم نكتشف لاحقاً أنهم من كبار رجال تجارة مخدرات؟
بل أنني حينما قرأت مؤخرا كتاب " العطاء" أو "جيبفينج " لبيل كلينتون " ذهلت من الأرقام الفلكية التي تبرع بها اليهود والصهاينة والملحدين و البوذيين والسيخ للأعمال الخيرية- أرقام بالمليارات- و تعجبت أكثر أنه لم يتم ذكر سوى إسم مسلما واحداً في هذا الكتاب!
فأدركت أن العطاء إما أن يكون غريزة إنسانية مجبر عليها الإنسان كغريزة الطعام و الشراب، إلا انه يمنحها لمن يحب .. لا لمن يستحق.. و يمنعها عمن يكره و لو كان في أمس الحاجة إليها..
و إما أن كل إنسان مهما أجرم .. يريد أن يدهش الناس و يقول لهم: لست كما تعتقدون، و أستطيع أن أذهلكم فلن تفهموني أبدا.. فأنا أمنع .. وأمنعح، و الذكي من يتبعني فيستفيد من منحي و الخاسر من يعارضني فأعاقبه بمنعي .. أو هكذا أعتقد يا دانا.

و أخيراً إستغلت البيضة الزفرة وفاة البيضة الممششة و تمكنت من الحصول على أجازة من العمل كونها تعيش حالتي حداد و حزن عميقتين بسبب فقدها لغاليتها الممششة!

و المضحك يا ابنتي أن " البيضة الزفرة " قد نشرت نعي لأختها " البيضة الممششة " ثمنه لا يقل عن عشرة ألاف جنيه للحفاظ على إسم العائلة على رأس عمود في الجرائد!

طبعا هذا الرقم الفلكي لم تره "سكسونيا" في حياتها البتة و لم تسمع عنه.. بل لم تكن تجرؤ على المطالبة بسماعات متطورة.. حتى أني في أحد زياراتي لألمانيا كنت أقيم في احد البنايات بشارع ناصيته تطل على محل متخصص في صناعة السماعات الطبية للصم.. وعزمت على إخبار "البيضة الزفرة " بالتقدم الموجود في عالم تطوير السماعات لضعاف السمع و لكني تراجعت بعد أن فكرت أنه هيهات أن يفكر الجاني في علاج المجني عليه.

ثم هل الدكتورة المزعومة بخبرتها الواسعة لا تعلم بوجود سماعات متطورة أو عمليات جراحية حديثة تستطيع مساعدة أختها على الشفاء؟! و لكن هل الشفاء هو الهدف؟ أم إنتهاء المدة هو الهدف؟
عشرة ألاف جنيه أو يزيد تصرف بزهو لتنعي البيضة الزفرة أختها التي مششتها بل و نحرتها ثم ..ثم نعتها .. لكن نصف هذا المبلغ أو ربعه لن يصرف على علاج من كانت" ُتحكى لها يوم حكاية عن قصة حب و قلبين.. " لأن بها صارت دنياهم أسوأ "

و أخيراً يا دانة سأختم قصة البيضة الزفرة بحادثة أو واقعة جرت عقب وفاة زوجها .. فقامت الزوجة صباح يوم الوفاة بارتداء الملابس الزاهية و ذهبت للمصرف و حولت كل ما كان في حساب زوجها إلى حسابها بالتوكيل الذي كان لديها ..ثم عادت سريعا لبيتها و إتشحت بالسواد إستعداداً لإستقبال المعزين لتلقي العزاء في الفقيد الغالي و قامت بالإتصال بأبنائها على هذا النحو : ألو.. أبوكم مات.. و تراخ ..أغمدت السماعة في وجوههم!

و ذهبنا للعزاء و كانت هذه السيدة لا تلمس مني أي تعاطف معها.. بل أعتقد أنها كانت لا تخطئ نظرات الإزدراء التي كنت تصدر عني .. فأرادت إستغلال لحظة مواساة الجميع لها بسبب وفاة زوجها فأخبرتنا أنها تشعر بدنو أجلها خاصة أنها رأت في المنام أنها ترتدي عقد من ثلاث طوابق.. معتقدة أن شيئا سيطبق على أنفاسها فستموت!
والغريب - يا دانة - أني انبريت في تفسير هذا الحلم لها- مع أني ليس لي في الفتوى و لا في تفسير الأحلام و لا غيره- و لكني وجدتني أقول لها : "عقد من ثلاث طوابق.. ما شاء الله .. و مع ذلك خائفة من الموت .. لا لا.. ..ابشري ..العقد يساوي عشرة سنوات .. اضربي في ثلاث طوابق .. ما يعني أن أمامك ثلاثون عاما أخرى ستعيشينها يا دكتورة!
فبدا عليها الغيظ الكتوم .. فتفسير الحلم قد سد عليها فرصة إستدرار العطف من الحضور!!
و قد مضى على هذه الكابوس أكثر من 16 عام .. و لا زالت حية تسعى و تعيث في الأرض إعاقة.... تخيلي؟!!!!!!

ليت شعري.. ما لشعري إلا أن يرثيني
أموت فيبكوني .. وإن عشت يهجوني
و إن هاجرت.. استوحشوني
و إن عدت.. تجاهلوني
و إن مت.. رثوني
و بالدمع بكوني
ثم ، ثم نسوني
ليت شعري
ليت شعري كروت ائتمانية
ليت شعري أراض بناء .. غير زراعية
ليت شعري أوراق نقدية
و أسهم و عقارات و شيكات بنكية
(داليا الحديدي)


نموذج آخر - يا دانة- لحالة أخرى عانت من نوع آخر من الإعاقة و هذا النموذج لأخت الكبرى لأخواتها و الأضعف من حيث القدرات الإجتماعية و التعليمية ، فلم تتمكن من إستكمال تعليمها.. رغم أن والديها قد وفرا لها كل سبل الرعاية و الأمان .. و لكن الأمر كان يتعلق بقدرات شخصية .. و هذه السيدة لم تمنح حظ من الجمال و لكنها رزقت عائلة حنونة.. حتى بعد وفاة الأب والأم .. وجدت أخوة و أخوات إحتضنوها بحب.. فهي تعيش معهم عيشة كريمة وتحضر معهم مختلف المناسبات و تذهب لتصفيف شعرها إذا ما أرادت ذلك .. و تذهب لتصيف معهم و مع عائلتهم بل و سافرت معهم أكثر من مرة لأداء العمرة.. و تصاحبهم في النزهات مع معارفهم و تجدينها في كل زيارة معهم.. و مع أولادهم فى نادي الصيد .. و صورها تملأ البومات الأسرة.. لا أحد يخجل منها كأنها عار، و لا أحد يتعامل معها و كأنها "بيضة ممششة " أو سم قاتل .. بل إن إسمها القديم قد استبدلوه باسم دلع جميل و محبب .. و الجميع ينادونها به.

و رغم أنها لا تملك سوى نفس القدرات الاجتماعية البسيطة و اللسان الثقيل المتلعثم.. إلا أنها تحيا حياة أقرب ما تكون للطبيعية و تمتلك كل مقومات الحياة الكريمة ..

لم يغلق عليها باب غرفة قط و لم تحبس أو تسجن قط .. كما أنها تشعر بالآخرين.. و يشعرون بها .. و كثيرا ما أقيم لها إحتفالا بعيد ميلادها .. وأعتقد أنها كانت من الممكن أن تحظي بحياة أفضل لو أتيح لها تعلم أي مهنة أو حرفة أو تنشغل بأي هواية.. إلا أن مجتمعنا ينقصه - يا دانة - مؤسسات كبيرة و على مستوى عال لتعليم هذه الفئات..

أما لو وافق أخواتها من زواج أختهم بالكهربائي الذي أرادت الإرتباط به.. فأنا عن نفسي كنت أرى ذلك سيحسن من وضعها.. فتكوين عائلة و الانشغال بمشاكل الأبناء أمر يطور من قدرات الفرد .. و لكن هيهات.. بالطبع لم يوافق الإخوة أن يزوجوا أختهم الكبرى ممن هو غير كفء لها.. لا خوفا من إستغلال ميراثها.. و لكن خوفا عليها.. فهم لا يرون في أختهم أي ميزة تجعل رجل يرغب في الاقتران بها، اللهم سوى طمعا في مالها.

شكراً لأصحابي فلولا حبهم لم أقترب من عالم اللألاء
بهم اقتحمت العاصفات بمركبي و بهم عقدت على النجوم لوائي
من كان يحلم بالسماء فإنني في قلب إنسان وجدت سمائي
يا صحب لم أنسى جميل صنيعكم حتى تفارق هيكلي حوبائي
(ابو ماضي)

" المال و البنون و الإعاقة "

محمود:

ابني البكر الصغير الذي طالما انتظرته وما أن وهبته إلا و تخيلت نفسي ليلي مراد في أحد أفلامها .. و تصورت مخرج الفيلم أنور وجدي يجعلها تدور مرتين بفستانها "الكلوش" .. ما يوحي للمشاهد أن العمر قد جرى و أن ليلي مراد قد كبرت و كبرت معها ابنتها الصغرى لتصبح هي الأخرى ليلي مراد..

أعتقد أن الأمر ليس تخيلات.. فأنا أذكر أنني حينما كنت في عمرك ..رفعني بابا جدو محمود من الأرض ليرقص معي رقصة التانجو و هو يحملني و يحتضني و لف معي لفتين.. و ها أنا ذا قد تزوجت و أنجبتك .. فقط لفتين و مضت السنوات و مضى الزمن!
كم أتعجب للشبه بينك و بيني يا محمود.. خاصة حينما كنت في عمرك وأكثر ما يدهشني أنك ما أن تشاهد صورتي و أنا صغيرة إلا و تضحك ضحكتك الشبيهة بضحكتي و أنت تقول: "محمود أهو"!

كم أود أن يجري العمر بأسرع ما يجري و في لمح البصر .. أراك يوم عرسك تجلس و يدك في يد عروسك الحبيبة و أنت تحتضنها بحب و سعادة في ليلة عرسك.

أراك اليوم أمامي لا يعنيك سوى" بارني" و " نودي" و" فلة" و "هانتاروه" و" توم و جري" و "سبيس توون" و "شاطر شاطر".. و" شخبط شخابيط" و "جينجل زون" و "سيركس لاند" .. و لكني أعلم أن قانون التغير هو وحده الذي لا يتغير - إذا استثنينا الله سبحانه و تعالى- و كم أود أن تتفهم خشيتي على مستقبل أبنائي و ترقبي هذا التغير الذي أدعو الله أن يكون للأفضل .
كم أدعو الله أن تدوم حنيتك و تزيد.. و تعم على كل من تعرف و تفيض.

كم أود لو أعرف كيف ستذكر طفولتك و صباك و جهلك ومراحك و عبثك.. كيف ستراني أنا و بيك بعد أن نتوارى في خزانة التراب؟ هل ستذكر " تتر" أو سنواتك الأولى في قطر؟
هل ستذكر الأجازة في مصر.. هل ستذكر سفرتنا لمكة و" تراك الكعبة " كما كان يحلو لك أن تسميه؟
هل ستذكر وجهي في الصبا ؟ هل ستراني صائبة ؟
هل ستذكر لهونا و مرحنا في مروج الدوحة و مراتعها و عبثنا على شواطئ الخور و سواحلها؟ هل ستظل تترجم لي ما تريده أختك الصغيرة لإعتقادك انك وحدك من تفهمها .. هل ستظل تحنو عليها و تحفظ؟ أم ستقول:

رب شخص عشت معه زمناً ألهو و أمرح
أو مكان مر دهر و هو لي مسرى و مسرح
لاح لي في البعد أجلى منه في القرب و أوضح
كيف يبقى رسم شيء قد توارى..؟!
لست أدري
(أبو ماضي)

سأقص لك- يا محمود- نماذج أخرى التقيت بها في المجتمع ..أحد هذه النماذج يتعلق بشخص .. جده كان بمثابة ساويرس القرن التاسع عشر و أوائل القرن العشرين أو لو شئت الدقة أحمد عز .. رجل أعمال .. تجاوزت أعماله حدود مصر.. عندما ارتأى بعقليته أن الأوضاع في مصر قد تتغير .. قرر مد نشاطه لما كان يعرف بالحبشة - أثيوبيا حاليا ً- حتى قيل أن إمبراطورها "هيلياسلاسي" خاف من تزايد نفوذه .. فقام بتأميم ممتلكاته.. و رغم ذلك لم يصب الرجل بنقطة و لا حتى بارتفاع ضغط الدم .. بل اتجه غربا و راح يستثمر في إيطاليا بالإضافة لأعماله التجارية في مصر.. حتى أنه مات في إحدى سفراته العملية.. و ترك أربع أبناء كلهم بلا إستثناء رزقوا "المال و البنون.. و الإعاقة " فأحد أبناء هذا الثري قطعت إحدى قدميه و قضى نحو ثلاثون عاماً بقدم واحدة .. أما الإبن الأخر فكان شديد الطيبة و الكرم و المروءة.. و كان ناجحاً في عمله إلا أنه لم يتفوق على والده.. بل أصيب بأزمة قلبية لدى سماعه لخبر تأميم عدد من أصدقائه ! رغم أن الثورة لم تأممه هو!! إلا أن القاعدة "أمم فلان يخاف و يمرض السايب"

و تركت هذه الأزمة أثرها على صحة الرجل الكريم الذي كان مثقل بالمسؤوليات والهموم.. فقد كان يمتلك ثروة من الأبناء تزيد على ثروته المادية.. إلا أن احد أبناؤه مات و هو في السادسة عشر من عمره .. فلم يتحمل قلب الرجل الرقيق هذه الصدمة و رحل بعده بعامين تاركا عدد من الإخوة و الأشقاء.. و لكن...

الأخوة و الأشقاء

و من بين أبناء هذا الرجل .. كان هناك - يا محمود – أبن لديه إعاقة ما.. متعثر في دراسته.. أو لنقل .. لم يكن يريد استكمال دراسته - ربما لضعف قدراته- و كان يفضل التزويغ من المدرسة و الذهاب للسينما.. كما كان أقل مهارة من باقي إخوته..

و في حياة والده، رفض الأب رفضا قاطعا أن يترك الابن دراسته.. و لكن عقب الوفاة .. صمم الولد على ترك الدراسة .. و بدأت سلسلة التدهور.. استمر في الذهاب للسينما.. استمر في مصادقة أشخاص غير أكفاء .. كان يذهب للنادي أحيانا مع إخوته .. و شيئا فشيئا .. اتسعت الهوة بينه و بين أخوته.. كما أن قدراته الاجتماعية كانت ضعيفة للغاية و بعد موت والده.. فقد من كان يعتني و يهتم و يغتم بشأنه..

و تخرج باقي الأخوة أشقاء و غير أشقاء .. و بدأ البعض يعمل و بدأ البعض يتزوج و الكل بدأ يستقل .. أو يريد أن يستقل بعد الزواج.. و بدأت الأخت تتذمر من وجود الأخ معها في البيت كون زوجها يضيق من وجوده - رغم أن نصيب الأخ في البيت ضعف ما لها.-
و كان لهذا الأخ الصغير أخوة وأشقاء.. بعضهم طيبون للغاية يودونه .. يستضيفونه و أسرته.. يصورنه معهم .. يسألون عنه و عن أسرته .. والآخر نفعيون للغاية .. يسألون ماذا أخذ؟ و كم اخذ ؟ و كله بحسابه.. و إذا ما زارهم استقبلوه بدون ترحاب و إذا مشى من عندهم تنفسوا الصعداء!

و بدأت الضغوط والاقتراحات .. و ماذا نفعل؟
و أعلنت الأخت أن والدها كان دائما ما يخبرها أن هذه الشقة خصصها لها لتكون لها
" أمااااان للمستقبل" و شيئا فشيئا .. تنازل الجميع عن حقهم في البيت لها.. و تنازلوا أيضا عن حق أخيهم الصغير"!
و بما أن هذا الأخ الصغير لم يستكمل تعليمه.. فلم يتمكن أيضا من العمل .. و لكنه أعلن رغبته في الزواج ممن وافقت عليه.. و رحب الأخوة الطيبون بهذا الأمر.. و تذمر الباقي.
: " و بعدين.. الجواز ده هيكلف.. و إن شاء الله هتتجوزه على إيه؟! ما أكيد طمعانة.. و بعدين البتاع اللي هيتجوزها دي لا منظر و لا عيلة.."
و الغريب - يا محمود- أن قضية زواجه قد تم تمريرها .. و تزوج رغم إعتراض بعض أخوته و عدم ترحيبهم .. إلا أن البعض الآخر قد يسر له الزواج بعد محاولات إقناع مضنية مع باقي الإخوة..
و رغم أن حياة الأخ الصغير تعتبر أقل من حيث المستوى الإجتماعي و المادي مقارنة بباقي إخوته .. إذا أخدنا في الاعتبار مستوى بيته و عدم امتلاكه سيارة و مستوى المدارس التي يدرس فيها أبناؤه .. إلا أن فرصة الزواج قد حسنت من شخصية هذا الأخ بدرجة كبيرة .. فقد باتت له قضية ينشغل بها وأبناء يهتم بهم و يذهب معهم إلى المدرسة و يعود بهم من المدرسة وأصبح لديه زوجة.. يتشاجر و يتصالح معها.. و تمكنت أخته من إعادة إدراج إسمه في النادي الذي يشتركون فيه ..

و رغم المشاكل التي إشتعلت بين زوجة هذا الأخ و بين بعض أخوته.. فهما يريدان إعطائه حقوقه عيناً.. لا نقداً.. بدافع حمايته.. و مشكلات بسبب شكواهم من إسراف زوجته و استغلالها المادي له.. إلا أن هناك من يتفهم هذا الاستغلال ..

لأن المحصلة تكون في صالح أسرة هذا الأخ .. فإستغلال الزوجة رمانة الميزان لمعادلة كفة سيطرة بعض أخوته النفعيين .. كما أن إستمرار بيته و كيانه العائلي أفضل بكثير من حياته بدون زواج و بدون أولاد و زوجة حتى لو كانت مستغلة!

فكيف لها ألا تقارن مستوى معيشتها بمستوى معيشة أخوته؟!
تطالب بسيارة .. و تطالب بحجز مصيف سنوي و تطالب بملابس العيد و ملابس الشتاء و ملابس الصيف و مصاريف المدارس و مصاريف الدروس الخصوصية لأبنائها منذ " كي جي 2 " .. و تكاليف كروت شحن الهواتف النقالة للأبناء منذ الصف الابتدائي.. و تصمم على الحصول على "باقة الأوائل" عشان الأولاد يتسلوا !
بينما الإخوة يدعون أن السيارة خطر علي أخيهم لأنها قد تتسبب في حادثة تذهب بروحه.. رغم أن عدم امتلاكه لسيارة كاد أن يودي بحياته يوما ما، حينما دهسته عجلات أتوبيس و هو يعبر الطريق.
كما أن هذه السيدة دخلت بيوت أخوته.. و إستخدمت بصرها في المشاهدة و المقارنة.. و رغم أنها تعيش في مستوى لائق و كريم مع زوجها إلا أنها تقول:" إشمعنى" .. ما هو له نصيب في الميراث كذكر مثل حظ الأنثيين ! " و بعدين أنا سامعة إنه وارث مليون جنيه.. راحوا فين؟ !!"

"إشمعنى".. دعوة للمساواة

تعرف يا محمود:

في أحد أيام الجمعة في الثمانينات .. كنت استمع لأمال فهمي في برنامجها " على الناصية" و كانت تقول أنها تؤيد و بشدة مصطلح" إشمعنى" لأنه يحتوي على دعوة للمساواة إلا إذا قيل لله .

وكم تفهمت دعوات "اشمعنى" التي طالما أطلقتها هذه السيدة لأنه من المهم أن يأتي من يذكرنا بحقوق الآخرين.. طيباًً كان أو لئيماً.. يذكرنا بحقه في إقامة أعياد ميلاد مقارنة بالمثل.. يذكرنا بحقه في حضور كافة المناسبات مقارنة بالمثل.. يذكرنا بحقه في أن يعامل كشخصية إعتبارية و ليس كشخصية مهمشة تهان من أي كائن ما كان.. حقه في التقدير .. حقه في الترحيب.. حقه في التعبير.. حقه في أن يكون له الأولوية .. لا أن يكون في ذيل القائمة دائماً! يذكرنا في حقه أن يتم دعوته هو و عائلته و الإلحاح عليه و الإتصال به و السؤال عنه و تحريض الأبناء على الاهتمام به.

هل تصدق يا محمود؟ أن أحد أخوات هذه الرجل كانت تزوره و تقول له:" أنا اشتريت لك خضار وجيبت لك فاكهة و جيبت لك لحمة عشان الثلاجة و اشتريت للولاد ملابس العيد و اشتريت لكم كعك العيد و اشتريت لك ملابس جديدة .. ما أنا عارفة.. لو مراتك مسكت الفلوس.. مش هتجيب لك حاجة.. و هتقعد باللبس الوس .. اللي عليك" !!!

و الحقيقة أنها كانت لا تشتري أي شيء له من مالها الخاص .. بل من أرباح وديعة تركها له والده.. فهذا الرجل لم يتم صرف مليم عليه سوى من خير والده الثري و مع ذلك يأتي من يقول" جيبت لك و اشتريت لك و عملت لك" مع أن جميع هؤلاء الأخوة بأولادهم و أحفادهم يستفيدون و حتى يومنا هذا من خير هذا الرجل .. و شيئا فشيئا تصدق نفسها أنها هي التي تشتري و هي التي تجيب مع أن كله بالخصم من ميراثه!!

و رغم ذلك فالصورة ليست قاتمة - يا محمود- فليس كل الأخوة و الأشقاء على نفس الشاكلة.. فلهذا الرجل أخت غير شقيقة تصر سنويا على دعوته و أسرته في رمضان .. رغم أن إحدى شقيقاته تتذمر إذا ما رأته مدعواً في أي وليمة مخافة أن ترى زوجته التي تكرهها!
كما أن بعض أخوته الطيبين يقدمون له المساعدات في السر خشية أن تعرف أخته انه حصل على أي مال إضافي .. رغم أن الله أحق أن يخشى –
و فرق كبير من المجاهرة بإعطاء الإنسان حقه لإثبات حقه الإعتباري في أن يحصل على كل ما يحتاج في العلن و النور .. و بين تمرير هذا الحق في الخفاء - و كأن الأمر يتعلق بتمرير تربة حشيش من الجمرك - فهناك من الإخوة الطيبون من تراهم مذبذبون و حيارى بين رغبتهم في أداء الواجب و خوفهم من إغضاب أحد.. فالبعض - أبدا لن يقول للمخطئ أنت مخطئ في وجه و لا حتى خلف ظهره - و يتركوه لضميره- صحي صحي .. نام نام- بل و يختلقون له مئات الأعذار!
و كم أسخط يا محمود على الطيب السلبي أكثر من سخطي على النفعي المجاهر .. لأنه لولا الحمائم ما توحشت الصقور .. كما أنه

فإما أن تكون أخي بصدق فاعرف منك غثي من ثميني
و إما فاطرحني واتخذني عدواً أتقيك و تتقيني

أليس الصديق مرآة صديقه؟ فما بالنا بالأخ خاصة لو يمتلك مكانة و تأثير على باق إخوته.
هل كان سيستعصي على الله خلق جميع الإخوة أسوياء .. أغنياء.. على نفس المستوى من القدرات و المهارات و الإمكانيات.. بلا ضعف أو إعاقة ذهنية كانت أو اجتماعية أو عملية ؟
ألم يكن الله قادرا على خلق هذا الأخ غنيا كوالده أو جده .. لا يحتاج لأحد.. و لكن هل خلقنا الله كي لا نحتاج لبعضنا ؟أم زودنا بالنقص ليكمل بعضنا بعض؟ نعاونهم بالمادة ..فيمنحونا من أواحهم الطاهرة ما يزيدنا رحمة .. فنستوي روحياً و جسدياً برضاء المولى علينا.

و فرضا لو قام كل إنسان بأداء واجبه وأعطى كل ذي حق حقه .. ألا يوجد فرق كبير من أن أعطي الإنسان حقه علناً و بين أن أعطيه حقه كمنحة أو هدية أو بقشيش.
فالأولى تحفظ له كرامته و الثانية تحفظ له البقاء فحسب!
و لكن الأخوة الطيبون كانوا يخشون من أن تؤدي المواجهة إلى صدام يستطيعون تجنبه و الفرار منه .. طالما أنهم يستطيعون تمرير الحقوق لأصحابها.. فكانوا يختارون دوما الفرار من المواجهة.. يرمون الحق لصاحبه و يفرون من القناص مخافة شدته يوم الحساب .. فيمرر الحق ليلا في الخفاء و يعيش الأخ حياة بلا عزة أو إباء.. و يظل الوضع قائم إلى أن يحين القضاء.

أيها الهارب إن العار في هذا الفرار
لا صلاح في الذي تصنع حتى للقفار
أنت جان أي جان .. قاتل في غير ثار
أفيرضى الله عن هذا و يعفو؟
لست أدري
الطلاسم ( أبو ماضي )


محمود:

كثيرة هي النماذج الموجودة في الحياة و التي أرجو أن ترزق إستبصارها لتتمكن من معرفة حكمة الله منها.
حتى هذا الرجل الذي سأروي لك قصته.. أستطيع أن أخبرك انه لا فرق كبير في قدراته الذهنية و العقلية بينه و بين باقي النماذج سالفة الذكر.. إلا أن الله قد منحه أب معتبر لم يفارقه إلا بعد أن تخطى الابن منتصف العمر .. و وهبه الله أم - أطال الله في عمرها- رغم أن سنه قد جاوز الستين.. و بدا الإبن مختلفاً عن أخوته بشكل منذر بأن مستقبله سيكون حافل بالصعوبات التي ستمثل له إعاقة عن اندماجه في المجتمع.
إلا أن الأب كان ذو عقلية فذة و كانت الأم ذات رعاية فائقة .. فتمكنا من بناء شخصية إبنهم و توفير حياة طبيعية له.. حتى أنهما دفعاه في التعليم رغم صعوبته حتى حصل على دبلوم في السياحة و الفنادق و إشتريا له شقة مثيلة لشقق باق أخوته في المستوى.. و زوجاه و أعاناه على معوقات الحياة.. فعمل و تعثر في عمله و عمل مرة أخرى و تعثر مرة أخرى و كلما تعثر و أعاقه عائق.. لم يقول الأب و الأم " كفا " بل كان الدعم .. كل الدعم مستمر و الدفع دائم مع الإيمان بقدرة الله على تحسين وضع الابن و الإيمان بأن الله قد وهب كل إنسان قدرات تجعله قادرا على العيش الكريم إذا ما وجد رعاية و عناية و حب و حب و رحمة و حنان.. كما وهب هذا الأخ دعما كبيراً من أخوته مادياً و معنوياً و عملياً.. فخرج للمجتمع إنسان سليم كان من الممكن أن يطلق عليه و بسهولة لقب "سكسونيا ".
كما أذكر لك حالة طفل كنت لم أفهم لماذا كان يضرب رأسه في المقعد ألف ضربة في الساعة تقريبا .. حتى عرفت لاحقاً أن هذا الطفل كان مصابا بالتوحد .. يعيش وحيداً في غرفته.. و لكن فضل الله عليه كان كبيرا.. فقد وهبه أم داعمة رغم ضعفها الشديد.. و أراه اليوم و قد تبدل و تحول و قد أكمل دراسته و يستعد للعمل.
قِـيـمَـةُ الإنْـسَانِ تَـبْـقَى مَا تَـبـقَّى الْخُـلْـقُ أرْقَـى
وَيَـزِيـدُ الْـمَـرْؤُ شَـــأْنـا كُـلَّــمَا يُـنْــتِـجُ حَــقَّـا ً
كَـمْ مُـعَـاقٍ مُــنْـتِـجٍ مِـنْـهُ سَــلِـيـمٌ يَـــتَــلَــقَّى
عَــوَّضَ اللَّــهُ لَـهُ الـنَّــقْـصَ بِـمَا لَـمْ يُـبْـقِ فَـرْقا
هَـكَذَا تَـغْـدُو الإعَــاقَـة عِـنْدَ أهْـلِ الْعَـزْمِ طَـاقَـهْ ْ
فَـإذَا أُولُــوا اهْــتِـمَـامًا وَاعْــتِــبَـارًا وَ وِفـاقـاَ
حَمَلُوا أقْـسَى الْعَـنَا وَاخْـتَـرَقُـوا الصَّـعْـبَ اخْـتِرَاقَا
(بشير مفتاح)

و أخشى يا محمود أن تلتق في يوم من الأيام بأشخاص طبيعيين .. ثم تلتق بهم بعد فترة فتراهم قد تحولوا لمعاقين .. و الأسماء لا حصر لها و لا داع لذكرها.. و لكن قائمة من سحقهم معوقين و معوقات الحياة فحولتهم لمعاقين ثم لمنتحرين لا حصر لها ..
و القائمة تضم أسماء كثيرة من المشاهير و المجاهيل .. و كلاهما اجتمعا على عدم التمكن من التغلب على إعاقات الحياة من أشرار هدامين و مدعي طيبة محبطين.
هل تعلم - يا محمود - أن" ارنست هيمنجواي" قد مات منتحرا رغم كونه الوحيد الذي حصل مرتين على جائزة نوبل؟!
و هل تعلم أنه رغم موت الشاعرة القطرية المعاقة" صدى الحرمان " إلا أنها أحيت الأمل لدى مئات المعاقين حينما كتبت لهم قصيدة " يا معتقد بالضعف"

عمر الإعاقة ما توقف مـدادك مـــدام عزمــك مــا يخونك مـداده
لا..لا تفكر عاجز الحيل عادك الواصل أنت وفي اجتهادك شهادة

الإعاقة .. أقسى أنواع الغربة

أخشي من استمراري في ذكر الأسماء.. لكن كم أود أن تعوا يا أبنائي جيداً أننا كلنا معاقون بشكل أو بأخر.. و أن عدد الإعاقات التي ستقابلكم في الحياة لا يمكن حصرها.. و لكن لا مكان للمعاق في القلوب أو الوجود .. فالمعاق هو الإنسان الذي فرضت عليه أقسى أنواع الغربة .. فهو غريب ليس فقط خارج وطنه أو داخله و لكنه غريب بين أهله و عائلته .. كل ما يقوله أو يفعله يدخل في بند الغرائب المستنكرة.. لا يستساغ له طريقة أكل أو ضحك أو كلام أو تعامل .. لا يقبل منه أي قول أو فعل أو تعليق .. عار على العائلة و بلاء يرجى رفعه و لو بالموت.. يحتاج للحب و يفتقد لتقدير الذات، و لا يلقى إلا الشعور بعدم الكفاءة والتضخيم من التأثير السلبي لإعاقته على قيمته كإنسان و قيمة من يمت لهم بصلة.

يظهر مكتوب علينا الشقا طول عمرنا
نعيش أغراب هناك و نموت أغراب هنا
يظهر مكتوب علينا نخاف من أهلنا
نتخض من الحرامي .. نترعب من المحامي
و جيه اليوم اللي بقينا فيه نخاف من نفسنا
(داليا الحديدي)

لأنه قلما يتذكر الأسوياء أنهم يرزقون بضعفائهم أو بمعاقيهم .. فقلما نعي أنه:

قد يقيني الخطر.. الشوك الذي يجرح كفي
و يكون السم.. في العطر الذي يملأ أنفي
إنما الورد.. هو الأفضل في شرعي و عرفي
و هو شرع كله ظلم .. لو تدري
( أبو ماضي)

محصنة أم معاقة ؟

و دعني أشرح لك كيف تكون الإعاقة البشرية أشد خطورة على الإنسان من الإعاقة لذهنية.
فاعرف سيدة أعيقت عن الإنجاب، و رزقت بأهل زوج ينغصان عليها حياتها و يتهمونها بالعقم.. كما رزقت بأم شديدة لا يعنيها سوى حصول ابنتها على الطلاق و باقي حقوقها المادية من زوجها الذي تتهمه هو بالعقم و البخل و كل الآفات المركبة.. فكيف لحياة أسرية أن تستمر في ظل هذه المعوقات ؟!
كما رزقت هذه الحالة، بزوج مهمل.. يتعمد إهانتها و إهمالها خاصة أمام أهله.. فلا يثني على أي شيء تتميز به سوى طبخها و تنظيفها البيت و لا يشكو منها إلا إذا قصرت في المطبخ و تنظيف البيت.. و يصورها على أنها خادمة في البيت تعمل بلقمتها.. فوجدت هذه السيدة نفسها محاطة بسلة إعاقات تصيب النفس و الجسد معاً ..
فشرعت في تدمير نفسها.. بدأت تدخن.. هجرت الصلاة.. ثم راحت تسمح لزملائها بالتحدث معها فيما يخص مشاكلها مع زوجها.. و صارت تتباهي أمام أهلها أنه رغم كون زوجها يهددها بأنه " سيعطيها بالجزمة " إلا أن زميلها الفلاني مقدرها ومتعاطف معها .. فحينما علم بمرضها الذي أصاب قدميها .. احضر لها شبشبا مريحا ووضعه تحت قدميها في المكتب .. ثم بدأت تسمح لزملائها بالاتصال بأهلها لتقول للجميع .. أن هناك من يهتم بي و يقدرني .. و إذا كان زوجي لا يقدرني و لا يعبا بي أو بأهلي .. فهناك من يضع الحذاء تحت قدمي.. و بدأت هذه السيدة تشعر أنها لا تحترم زوجها كونه أجبرها على أن ترخص نفسها و تقبل الإستماع إلى كلمات مجاملة رخيصة .. فبدأت تشكو من زوجها للجميع .. تشكو من شحه المادي و بخله العاطفي و إهماله و إذلاله لها ..
ثم تلقت نصائح ترشدها إلى حقها في الأخذ من مال زوجها من خلف ظهره .. فإزدادت كراهيتها لمن إضطرها لمد يدها بإستخدام وسائل وضيعة .. و شيئا فشيئا بدأت في عدم إحترام ذاتها .. فإضطربت نفسياً مما أثر سلبا على صحتها العامة.. كما شرعت تعامل الناس بقسوة و بنفس الأسلوب الذي تتجرعه من زوجها و أهله.. و جربت مختلف الأساليب كي تستنفر رجولة زوجها البخيل.. فهو يتباهي انه لا يصرف عليها إلا بالقليل أو أنه إضطرها لبيع مصاغها، كونها تجاهر بعدائها لأهله.. و لا زال يضيق عليها و يعيقها في أن تعيش حياة كريمة .. حتى قررت أن تهجر البيت عله يشعر بغضبها.. فتركها ترن و تئن في بيت أهلها.. و هي من كانت تأمل أن يحن إليها و يأتي لمصالحتها.. فلم يفعل.
و هناك لم تجد دعما من أهلها.. فكل ما كان يعنيهم هو ضمان حقها المادي خوفا من هاجس عدم إنجاب ابنتهم .. لذا أصدرا حكم الطلاق لأن..
و عشرات من "لأن" و مئات الأسباب ستختلق - يا محمود- إذا قرر الأهل ضرورة طلاق أحد أبناؤهم..
ووجدت الإبنة نفسها بين شقي رحى .. فهي لم تهجر بيت الزوجية للتطليق.. بل للتعذير.. هي تريد أن تشعر زوجها أنها يعيق حقها في أن تعيش حياة كريمة ..
*هو يركن سيارته و لا يستخدمها و يتركها تلتحم مع العامة في المواصلات بدعوى" ما أنت طول عمرك بتركبي أوتوبيسات" فأدركت أنها- إسماً - زوجة محصنة و فعلاً زوجة معاقة .. فشريك العمر ليس الحصن المنيع الذي يقيها الشرور .. فكان أنها بدأت توافق أن يقوم زملاؤها بتوصيلها لأقرب مكان من بيتها .. ثم شرعت في السماح بإزالة شيء من المسافات بينها و بين الزملاء حتى سمحت للبعض أن يقترب ليضع الشبشب تحت قدميها .
* لا ينفق عليها أو على البيت إلا فيما يراه هو ضرورياً .. أما احتياجاتها هي فليست مشروعة.." و مش عايزينه .. و مش محتاجينه ".. حتى وظيفتها .. فقد سمح لها أن تعمل و سعى لها في الحصول على عمل بتحريض من والدته كي تحصل على مصروفها بنفسها.. و هي تعلم يقينا أنها لو كانت هي الراغبة في العمل لكان وضع لها ألاف المعوقات و العراقيل في طريقها!

* صارت تخشى أن يعرف الزوج ماذا تحب .. لأنه فورا سيعمل نقيضه .. فإذا علم أنها تحب أن تنادى باسم معين .. امتنع البتة عن إستخدامه و ناداها بأسوأ نبرة صوت سمعت فيه إسمها إستهزاءا و إحتقارا لها.. يحادثها متثائباً، متثاقلاً حينا وأحياناً لا يرد عليها من الأصل .. وإذا قرر الرد فلا بد أن يكون رد متجهم .. قاطع كالسيف ليشعرها أنه فاض به من كثرة مطالبها و ليثنيها عن التفكير في إبداء أي رغبة أو مطلب!

* عادت لبيت والدها .. فلم تجد من يحتضنها.. بل وجدت من يريد إعاقة حياتها الأسرية و يحرضها على الطلاق و إلا النذير بأنها ستعامل كالكلاب!!
*حتى المال .. صار يعطى لها بالقطارة كي لا تصرفه على الدخان.. و عندما قررت أختها منحها مبلغا شهريا لمساعدتها في أزمتها.. أخفت عنها أمها هذا المال.. بدعوى خشيتها أن تصرفه على أدوات التجميل و كروت الشحن و السجائر.
:." و مش هتاخد مليم غير لما تتعدل و تتربى.. بعدها أبقى أديها "
و ضيقت على الإبنة لتعيد تربيتها من جديد.. فلم تجد من يلطف جراحها فتيقنت أن الزوج بشحه من أمامها و الأم بعنتها من خلفها .. فعادت لشح الزوج " أهو .. خليه يصرف.. بدل ما أكلف أهلي اللي ما استحملونيش.. و مش هيستحملوني .. و ظل رجل.. و لا ظل "

*أعيقت عن الحياة الكريمة في بيت أهلها.. خنقوها كفريسة بأساليب غير مباشرة.. شكوى مستمرة منها ومن تصرفاتها.. شكوى و ضجر منها للغريب و القريب.. ضغوط و تنغيص ..
كما أعيقت عن الحياة الكريمة في بيت زوجها الصياد الذي استغل عدم احتواء أهلها لها وأعيقت عن الإنجاب وأعيقت لحاجتها المادية أو المعنوية له.. و انعكس ذلك على صحتها البدينة.. و بدأت تطلب العلاج .. و إجراء عمليات تعطيها أمل في الإنجاب .. و الزوج في ملكوت آخر:

" ما عندك التأمين الصحي .. روحي لأي دكتور.. و بعدين ما عملتك عمليات قبل كده كام مرة.. مش هنخلص من إصة العمليات والأدوية اللي مش جايبة همها و مش هينوبنا منها غير دفع الفات مؤلفة.. هو حد قال لك أني بأطبع الفلوس دي يا ست أنت .. أنا مش فاضيلك .. أنا عندي ديون متلتلة و مصاريف و أنت.. و لا أنت هنا .."
فتتحايل و تنتظر لحظة صفاء و تعاود فتطلب منه مساعدتها في العلاج لأنها في أمس الحاجة لمساعدته .. فيبدي تعاطفا مصطنعاً.. مستفسراً أو مستهبلاً بسؤال غبي:" طب و أنا أساعدك إزاي ؟! لا قولي لي بجد .. طب أعملك إيه؟ لا حقيقي .. أنا نفسي أساعدك .. بس فطميني على الطريقة.. ما أنا.. أجهزة كهربائية و جيبتلك.. علاج و عالجتك.. أدوية و اشتريت لك .. ها.. عايزة إيه تاني .. خلصينا"

سأل الطبيب مريضه مستفسراً..
قل لي مريضي: كيف أداويك؟!
نادى الراعي رعيته متوسلاً..
قولي خرافي: كيف أراعيكي؟!
ناشدت الأم طفلها مستعطفة
قل لي وليدي: كيف أربيك؟!
استفسر المعلم من تلميذه مستعلماً
قل لي بني: كيف أهديك؟!
خطب الحاكم في شعبه متودداً
شعبي الحبيب : كيف أحميك؟
رد المسؤل على سائله: طظ فيك!
( داليا الحديدي)

فحتى أمل العلاج أعيقت عنه .. مع أنها تريده هو طبيباً و دواء لجراحها و لا تريد و لا تقبل من سواه أي مساعدات مادية للعلاج - تحتاجه هو كزوج مسئول عنها لمصاحبتها في كل خطوة علاج و تتمنى لو يشعر بمسئوليته عنها .. و لكن كيف يعالجها و هو يريد لها الإستمرار في أي شكل من أشكال الإعاقة؟

محمود:

هذه أصداء روحي ، فلتكن روحك أذنا
إن تجد حسناً فخذه و إطرح ما ليس حسنا
إن بعض القول فن ،فاجعل الإصغاء فنا
رب غيم صار لما لمسته الريح مزنا
ربما كنت غنية .. إلا أني بك أغنى
( أبو ماضي)

أحبابي محمود و دانة :

كل ما سبق ليس هواجس حمل.. و لكنها أصداء حياة و مخاوف حقيقية لامستها في دنيانا .. و الذي أخشى أن تلوث ضحكتكما و سعادتكما و براءتكما يوماً ما.. و إذا كنت أحياناً بالسذاجة حتى أدعو الله أن يبقيني بجانبكما لحمايتكما و رعايتكما.. فأني أعود لصوابي و أعلم أن الحامي و الراعي و الولي هو الله وحده .. حسبي .. عليه توكلنا و هو نعم المولى و نعم النصير لي و لرعيتي و لسائر الخلق أجمعين.

اللهم انك تعلم سري وعلانيتي وتعلم خيري و شري و تعلم جوانب قوتي وضعفي و تعلم أني لا حول لي و لا حول لأحد من العالمين و لا قوة إلا بك.
للهم ما أمي ثم أمي ثم أمي ثم زوجي وأبنائي و بيتي.
اللهم ما أحفظهم من كل شرور و من كل المعوقات.
للهم ما جمعت فلا تفرق.
للهم لا تباعد البيض عن الرحم.
اللهم أحمينا من أنفسنا و من كل نفس فاجرة و من كل بلاء.
اللهم أني إستسغت ابتلاءاتك و تقبلتها وأنت تعلم .. ولكني أستغيث بك أن تعفو عن أولادي و تعافيهم و تباعد بينهم وبين إعاقات الدنيا كما باعدت بين المشرق و المغرب .. اللهم و ما في أحشائي فاجعله سليما معافاً وأعف عني و عنه وعن المسلمين المؤمنين الصالحين.
اللهم عليك بالظلمة والجبارين.. و أخذي اللهم أعوان الظلمة أكثر من الظالمين .
اللهم بهم فإبدأ.
اللهم شدد سخطك على القواد أكثر من الزاني.
اللهم لا تمهل للصامتين على الجاني .
اللهم أشقق على المتخاذلين في نصرة المستضعفين بأشد ما تشقق على المستبدين.
اللهم سلط مستغلين على نفعيين و لا تبارك لكليهما.
اللهم عليك " بالبيض الزفر" و أرحم اللهم سواه.
اللهم عليك بالصياد و كل من افترس فريسة من لحمه و دمه أو من لحم و دم سواه.
اللهم ما بارك لمن حرس المرمى طوال العمر و ارفع من شأنه أكثر ممن أحرز هدف في لحظة من الزمن .
اللهم إن كنت ترفع الأسعار و تضيق الخناق عقابا لمن همش الضعفاء وأهتم بالأقوياء .. فضاعف اللهم الارتفاع و شدد تضيق الخناق على الأقوياء الظلمة حتى يفيقوا .
اللهم بارك لمن حرس و رعى و دافع و ناصر و داوم على نصرة الضعفاء و المهمشين و المعاقين .. بارك لهم مسلمين كانوا أو مبشرين أو أي ملة كانوا و غهدهنا و إياهم يا رب العالمين.
اللهم أعنا على تربية أبنائنا و أعنهم على برنا و أصنعهم على عينك .. و بلغهم محبتي حية كنت أو على قيض المنون.

قبلاتي يا أغلى الغاليين.

ماميتو دوللينا
27-2-2008
الدوحة- قطر
-------------------------------------------------------

الجمعة، 19 ديسمبر، 2008

الرسالة 12 .. 2008 .. " فرافيت .. تفاصيل و طلاسم في الحياة ""


نهى :

جارتي الطيبة الجميلة:

كان من الذوق أن أبدأ رسالتي بالديباجة التقليدية ب" وحشاني و مشتاقة لك" وكان من اللياقة أن أبدأ بالسلام والسؤال عن أخبارك و أحوالك.. كما كان من الضروري أن أستهل حديثي بالإطمئنان على صحتك أنت و منار و الدكتور، لكني سأكون أكثر صدقاُ - يا نهى - و أعترف أن سبب مراسلتي لك هو: أني تذكرتك اليوم .. و بالطبع، أشعر بحرج شديد كوني فكرت- أخيرا ً- في مراسلة جارتي اللصيقة بي في بيتي بالمعادي في مصر بعد مضي نحو سبع سنوات غربة في قطر.

أكررها .. تذكرتك اليوم بشدة .. فقد مضي ما مضى مني في الغربة.. إلا انه لم يحدث في يوم من الأيام أن يدق جرس باب بيتي هنا في الدوحة سوى مرات نادرة .. أما اليوم فقد تم طرق الباب مرتين!! تخيلي .. مرتين !! و هذا الحدث لم يحدث البتة منذ وطأت أقدامي شبه الجزيرة العربية !
إن الأمر كان أشبه بشعور سائق سيارة دبلوماسي وقعت له حادثتين في الطريق في نفس اليوم .. لذا فقد فزعنا في الطرقتين .. و مصطلح الفزع لم أستخدمه للمبالغة - يا نهى - و لكنها الحقيقة، فنحن لسنا معتادون هنا، سوى على سماع رنين الهاتف فحسب .. و إن رن.

في المرة الأولى لدق الباب سمعت دقات موازية.. أظنها دقات قلبي .. فانتفضت من صوت جرس الباب و كنت جالسة فشعرت أني" اتنطرت نطرة" استفاقت معها روحي .. و كان المفروض أن أذهب لأرى من بالباب .. فياسر كان يصلى المغرب.. إلا أنني تسمرت في مكاني و لم أستجب لإلحاح محمود ابني بالتحرك لفتح الباب.. و تذكرت سورة الطارق و دعيت دعاء " إلا طارقا يأتي بخير.." و مرت لحظات .. سمعت فيها صوت فتح الباب وغلقه.. ثم دخل علينا ياسر و في يده شيء ! ولم نكن نتوقع أن يأتينا زائر أو طارق .. أما أن يكون طارق مضاف إليه كعكة.. فالأمر على نحو غريب و يحتاج لشرح طويل لأنه شاذ على قواعد الحال!!

الشقة الوطن!

فحالنا ككثير من المغتربين.. يتصف بالانطوائية والعزلة و " كل جار في حاله".. فنحن - مغتربوا الخليج- نعيش في غربة داخلها غربة .. غربة عن الوطن و غربة عن الأهل و الأصدقاء و المعارف و الجيران .. و صدقي أو لا تصدقي يا نهى .. فقد تقلص معنى الوطن لدى بعض المغتربين ليصبح الوطن الواقعي هو الشقة التي يسكنون فيها !!! هذا هو الوطن الفعلي الذي يعيشون فيه بكرامة ! هو وطن بلا علم و ترابه مؤجر و شعبه مهجر و مواطنيه لا يشعرون على أرضه بالسيادة الكاملة ..
فالشقة أو البيت بمثابة وطن افتراضي للمغترب .. يمارس فيه حقوقه و يصرح فيه بآرائه دون خوف و دون شعور بالدونية أو العبودية.. و دون معاملة من الدرجة الثانية أو الثالثة..
وهل أملك القول- يا نهى-: أن المغتربين -أبدأ- لا ينسون الوطن بما فيه من أصول و جذور و قصور و بيوت و مراتع وملاعب.. قضوا فيها زمنأ كانوا يعتقدون حينها أن الزمن سيبقى و أن الوطن بكل ما و من فيه.. سيدوم؟ ثم يغمض الوطن عن المغترب عينه.. ليدرك المغترب لم يعد لديه من هذا الوطن سوى ذكرى وأطياف و رسوم.

كم قصور خالها الباني ستبقى و تدوم
ثابتات كالرواسي.. خالدات كالنجوم
سحب الدهر عليها ذيله فهي رسوم
ما لنا نبني و ما نبني لهدم؟
لست أدري
طلاسم ( أبو ماضي)


و مغتربوا الخليج عادة لا يملكون رفاهية إطلاق أمثال من نوعية " اختار الجار قبل الدار" و أعتقد أنه حتى بالنسبة للدول الطاردة لأبنائها، فإن ترف اختيار الجار أو الإقامة في عمارة سكانها كلهم أفراد في عائلة واحدة أو بناء بيت يعيش فيه كل الأبناء أصبح ترف تم نسيانه في هذا الزمن "المبارك" .. إلا - أننا مغتربوا الخليج - عادة ما نقتن بنايات حبلى بسكان من جنسيات شتى .. معظمهم أسيويين .. من الفلبين و أندونيسيا و الصين والهند و ماليزيا و نيبال .. وعندما انضم لبنايتنا ساكن سوري جديد لم نفرح و لم نحزن .. فقد تعلمنا كمغتربين أن نحيد مشاعرنا خشية أن تتضح في الأمور أمور .. لذا فمصطلح" مشاعر عدم الانحياز" مفهوم لدى عامة مغتربي دول الخليج !
لكن أذكر أنه كان لدينا جارة بحرينية متزوجة من قطري..أرق من النسمة و ألطف من العبير .. و كانت نافذة مطبخنا تجاور نافذة مطبخها بأقل من متر مربع .. تنبعث منه روائح طيبة من المكبوس و الثريد و المشخول، بالإضافة لعطور "دهن عود المشايخ" و بخور "جبل على " و راقية"..
كما كانت تناديني أحيانا لأرى ابنتها "غالية" من نافذة المطبخ لصغيرة.. إلا أنها ما لبثت أن تركت البناية بعد شهرين من قدومي لتستقل في بيت كبير في منطقة "الوعب".. و سكنت مكانها عائلة هندية تنبعث من مطبخهم رائحة التوابل الهندية التي لا أفهم حتى الآن لما أغرت إنجلترا بغزو الهند !

" ماذا؟ و إلا ! "

أيضاً سكن معنا ثلاث عائلات أردنية من جذور فلسطينية.. أذكر منها عائلة كان تتمتع برب أسرة ما أن تقابليه إلا و يتبادر في ذهنك عبارة" هو ماله.. في إيه؟ دائم العبوس .. حاد الطباع.. يمشي على الأرض مختنقا شاهرا ضيقه.. نظراته تقول " اتقوني و لا تقربوني"و كان لديه سيارتان .. أحدهما يضعها في " الباكية "المخصصة له تحت البناية و السيارة الأخرى يضعها "بوضع اليد" في الباكية المخصصة لنا.. و بالطبع لم نعترض وقتها لأننا لم نكن نمتلك سيارة في بداية إقامتنا في قطر .. إلا أننا كنا سنسعد أو لو شئت الدقة، لنقل كنا سنستريح أكثر لو قام الجار بالاستئذان قبل استخدام موقفنا .. خاصة انه موقف محدد لمستأجر العقار من قبل المالك و ليس موقف في الشارع .. و لكن جارنا هذا لم يستأذن يا نهى .. و في سنة من السنوات و قبل شراؤنا لسيارتنا.. قمنا باستئجار سيارة "هوندا سيفيك" من شركة" إيفيس" لمدة شهر.. تمهيدا لاستقبال مامي التي تأتي لزيارتنا في الصيف .. و عدنا سعداء بالسيارة للبيت.. وركناها في المكان المخصص لنا من قبل المالك .. و ذهبنا لجارنا لنخطره أننا نحتاج لموقفنا لمدة شهر.. و لكنه لم يكن موجود في البيت .. و للأسف لم يكن لدينا أرقام هواتفه.. لا هو و لا أي جار لنا في البناية.. و ثاني يوم نزلنا إلى الموقف لنجد جارنا وقد وضع لنا على نافذة السيارة ورقة إنذار و تهديد ووعيد مكتوبة باللغة الإنجليزية مفادها " ماذا؟ و إلا ! "

الثورة المنظمة


طبعاً - يا نهى- خفنا مما هو بعد ماذا و ارتعدنا من "و إلا ".. و حاولت تهدئة ياسر و أخبرته أننا لا بد أن نستوضح من جارنا و نوضح له .. و ذهبنا بالفعل للرجل و أخطرناه بالأمر و بأننا نحتاج الباكية المخصصة لنا لمدة شهر من تاريخه..
و كان رده:" و أنا وين أضع سيارتي الثانية؟!
و ثاني يوم فوجئنا بالرجل و قد ركن سيارته في الباكية المخصصة لنا و سافر لقضاء عطلة الصيف لمدة شهر و نصف في الأردن .. كما انه قام بالتنفيس عن الإطار الخلفي لسيارتنا.. و ربما كان هذا التصرف من جانبه تنفيسا أو تنفيذا لوعيده ب" و إلا "!
و لا أعلم كيف وفقني الله في تنقية دم ياسر الذي سممته أعمال جارنا هذا .. أعتقد أنني استخدمت سياسية جديدة "ستيكي للغاية" لا بد من تسجيلها باسمي .. اللهم لو كان هناك من يستخدمها دون علمي.. فلقد قمت بثورة عارمة و لكنها منظمة.. و طالبت ياسر بأن يصعد الموقف و نظام...
: لا لا لا يا ياسر .. ده ما يت سكت لوووووووووووش أبدا.. تولع.. الراجل زودها.. زودها يا ياسر..
و بدأ ياسر يقوم بتهدئتي و يذكرني بحقوق الجار و أجر الصبر عليه و التجاوز عن إساءته .. و أنا لا أهمد- يا نهى - وأثور و أجول و أخبره بما يفكر هو فيه
: لكن ما هي طيبتك دي و تسامحك هيخليه يعتقد انه يتصرف من موقف قوى و أننا ضعفاء
فيقول: ليه ثايرة كده يا داليا؟ أنت مكبرة الموضوع .. و بعدين ما يعتقد اللي يعتقده.. ربنا شاهد و مطلع.. و أنا عايزك تهدي و تذكري الله و ربنا فرجه قريب.. روقي أنت و كله بيعدي.
سبحان الله- يا نهى- قليل من الانفعال المخطط من جانبي قام بتهدئة زوجي تماما و روق له أعصابه و هذا و الله ما كنت أسعى إليه .. فلقد طالما جربت وسائل كثيرة مباشرة للتهدئة.. و لم تجد أو تفلح .. لكن أن تستنطقي الطرف الأخر بما تريدينه.. بتبني موقفه و الدفاع عنه بل و بالثورة عوضاً عنه ، يجعله حتما يهدأ.. لأنه يتأكد أن الجميع يرى الظلم ظلما و الحق حقا .. و هنا لا يشغل نفسه بإضاعة طاقته في إثبات حالة و إنما يتحول الأمر للسمو على هذه الحالة و لعب دور الشخصية الرزينة الحكيمة التي تتعالى على عملية التكالب للحصول على شيء ما، حتى لو كان حق مشروع باعتراف الجميع!

و رغم أن ياسر قد اضطر لدفع غرامة قدرها 500ريال لشركة" إيفيس" لأنهم رأوا خدوش بسيطة بالسيارة، نظرا لأنها قد تم " تلطيشها" من مجهولين، بما أنها لم يتم وضعها في جراج آمن .. إلا أنه لم يشر من قريب أو بعيد لجارنا فيما يتعلق بهذه الغرامة.
تراه- يا نهى- قد اقتنع أن الإحسان للجار لا يقتصر على إهداء كعكة في المناسبات و لكن الصبر على إيذائه.. أم تراه استعان بالصبر على جار السوء حتى يرحل أو .... ؟! ربما

الشاهد أننا بعد شراؤنا لسيارتنا في قطر .. واجهتنا مشكلة الركن ذاتها .. فخفت أن تنشب مشادة بين ياسر و جارنا .. فأشرت عليه بعدم جدوى الاتصال بالرجل أو إخطاره أو مناشدته بترك الباكية لنا.. و اقترحت عليه أن يتصل بالمالك ليقوم هو باللازم.. و قد كان .. و في اليوم الثاني .. ركنا في سلام .. و في الثالث ركنا في أمان و في الرابع، جاءني ياسر هاشا باشا بشيراً بأنه شاهد علامات قيام جارنا هذا و أسرته بالرحيل و كأنه يقول : " و بشر الصابرين..."
عندما أقارن مشاكل الجيران و الركن في مصر .. و في الغربة أجد أن الوضع في مصر أكثر تعقيداً.. فكون الإنسان في وطنه يشعر بأمان نوعاً .. و فقر أكثر .. لذا فهو يستبيح أي "مال سايب " أو أي شيء فرصة.. و يستحقها لنفسه دون أي وجه حق من خلال نظرية " اللي يجي من عين الحكومة أحسن منها "!!

و أذكر أنه في مصر تتفاقم مشاكل الجيران مع الركن .. و رغم انه قد يكون لبعض أصحاب العقارات مكان مخصص لهم للركن .. إلا أنهم يتركون" الجراج" خالٍ بل و يعبونه بسيارات قديمة لا يستخدمونها، ثم يضعون السلسال الحديدي أمام" الجراج " و يصطفون لركن سيارتهم في الشارع العام .. و البعض منهم - صدقي أو لا تصدق يا نهى- يقوم بعملية تخصيص أماكن الشارع لنفسه و للجيران فالأربع أمتار الأولى في الشارع لشقة 8 .. تليها أربع أمتار أخرى لشقة 16 تليها شقة 7 ثم شقة 9 و شقة 10 و هكذا.. والويل كل الويل لو ركنت شقة 9 في الشارع العمومي مكان شقة 16 .. فهذه الفعلة الشنعاء تعتبر إعلان للحرب بين الجارين.. و يستمر اللأمر، حتى يصبح الوضع كأحد القوانين المنظمة لسكان العمارات في مصر أو لنقل عرفا سائدا رغم انه لا يستند إلا على أرض "سايبة " للحكومة و لا مانع من نشوب خلافات و نزاعات بل و صراعات خفية أحيانا و علنية أحياناً أخرى لو ركن احدهم في الشارع في مكان لم يخصصه لهم أحد واضعي هذه الأعراف الهمجية دون وجه حق!! و لأن عادة ما تكون نظم الجيرة في مصر قائمة على التوطن الدائم فالشقق هي شقق العمر ما يعني أن الجار هو جار العمر.. لذا فإن أمثال و حكم ك" اصبر على جار السوء.. ليرحل أو ..." لا تخطر على بال الكثيرين - يا نهى- !

كأعضاء الجامعة العربية .. يريدونها هكذا

وعادة لا توجد علاقات حميمة أو قوية بين الجيران المغتربين .. فهم يتعاملون كأن الجار محطة صغيرة في الحياة لا داعي للوقوف لديها .. و إذا سلمنا أن معظم العلاقات الإنسانية قائمة على المصلحة.. و بما أن المصالح تتصالح.. فلنقل انه قد تعارف لدى المغتربين أنه من مصلحة الجميع أن لا توثق أواصر علاقات الجيرة.. لذا، لا ينزعج الجيران من ندرة وجود علاقات اجتماعية تجمعهم .. فهم كأعضاء الجامعة العربية .. يريدونها هكذا! تحت شعار " دعني أعيش وحدي في سلام و سأتركك تنعم وحدك أيضا بأمان " فأي علاقة اجتماعية تعتبر مكلفة.. حيث أنه يجوز أن تتعرفي على عيد ميلاد جارتك فتضطرين للمجاملة.. أو قد يساورك الشك في أن جارتك قد تفاتحك في أنها تنوي البحث عن عمل لتتكيف مع ظروف الغلاء .. ثم تبدأ في التلميح بأن زوجها رافض مبدأ عملها رفضا تاما إلا إذا تركت أولادها معك لأنه لا يثق في أحد سواك!!
و أعتقد أنه لا ينكر أحد من المغتربين أي من الأحاديث النبوية التي توصي بالجار.. و لكن فلنقل أننا كمغتربين نؤمن أن الدين يسر .. كما أن مجالات كسب الثواب أرحب من حصرها في الإحسان للجار .. حيث من الممكن أن يتم تحصيل ثواب من أبواب و منافذ أخرى: كالاشتراكات الشهرية في الجمعيات الخيرية أو كفالة الأيتام بحوالات بريدية لا تكلف المغترب عناء بذل الوقت أو جهد العلاقات الاجتماعية المرهقة كما يتم خصمها من قيمة الزكاة السنوية .. إلا أن المغترب منا - يا نهى - قد يجد لديه همة كافية و طاقة جبارة بل وقد يختلق من وقته وقت، للاشتراك في المجموعات البريدية الإسلامية و تمرير الرسائل التي تحوي أحاديث " قال الله و قال الرسول" أو تحوي رقائق و قصص مؤثرة و مقالات و عبر و أدعية نادرة بل و نكات.. فجهد اللسان مقدور عليه .. من باب " و من لم يستطع فبلسانه..."
لذا، فطبيعي أن تجدي أن علاقات الجيرة تقتصر على مقابلة الجيران لبعضهم صدفة على باب المصعد أو تحت البيت في موقف السيارات الخاص بالبناية و نادرا على السلالم .

كعكة .. لأغراض تبشيرية ؟!

أرجو ألا تزعجك صراحتي و لكني أدركت سبب مراسلتي لك اليوم يا نهى ؟
أهي الكعكة ؟!
- كعكة من جارتنا المقابلة لنا : هكذا أخبرني ياسر ليفسر لي سبب الطرقة الأولى..
- كعكة !؟ و من جارتنا؟ لماذا؟ و منذ متى؟! أليست مسلمة؟
بلى إنها مسلمة مثلنا .. إذا فلا توجد لديهم مناسبة احتفال بعيد الفصح الذي يحتفل به مسيحيوا الشرق الليلة .. فالشاهد، أنه لا يوجد ما يدعوا للريبة .. فالكعكة إذن ليست لها أي أغراض تبشيرية !! كما أنهم لا صلة لهم بمصر .. و إلا كنا نتوقع فسيخ لا كعكة!
لماذا لم يأت بذهننا أن الكعكة مرادف لسلوك طيب لا بد أن نشيد بل و نحتذي به ؟
لماذا لم تدخل علينا الكعكة السرور .. بل أدخلت الفزع أو على الأقل الدهشة و الريبة؟

ثم أن السيدة كانت قد أنجبت منذ شهور قليلة.. و أنا- للأسف- لم أبارك لها سوى حينما قابلتها صدفة أمام باب البيت .. و لم أهديها هدية بمناسبة ولادة ابنها "أحمد ريان".. فقد توقفت عن عادة السؤال عن الجيران و رمي بطاقات التهنئة في المناسبات و الأعياد تحت عقب الباب بعد سنتين من إقامتي في قطر .. ثم أنني عندما أخبرت ياسر أن جارتنا قد أنجبت .. لم يسترع انتباهه سوى اسم الوليد المركب الغريب .. كونه اسم عربي مركب لا يمت لأندونيسيا بصلة.

طلب محمود أن يتذوق الكعكة يا نهى .. فقطع ياسر له جزء منها و أعطاني شريحة صغيرة لأتذوقها فوجدتها طيبة .. و زادت دهشتي!!
يا ستار..الهذا الحد لعب بي الشيطان الألاعيب و جعلني أظن بجارتي ظن السوء معتقدة أنها أرادت التخلص بهديتها هذه من شيء لا تريده؟!
كم تغيرنا الغربة و تبدلنا ! أستغفر الله العظيم من كل ذنب عظيم.
و لكن لماذا اقسوا على نفسي على هذا النحو الماسوشي؟ ألن أكف عن عادة جلد الذات هذه؟
الآن - يا نهى- أصبحت أسمى " النفس اللوامة أو لوم نفسي على الخطأ "جلد الذات".. كم أنا ماهرة في التلاعب بالألفاظ !
و لكن أربما أردت البحث عن الحقيقة ؟.. فالموضوع ليس حادثة و جارة و كعكة..
إن الأمر يتعلق بطبيعة حياة و سلوك معيشي.. ُغيب عنصر الجار فيه و تم محوه من قاموس حياة المغتربين أو بعضهم.
الأمر هنا مختلف كل الاختلاف - يا نهى- فلقد سعينا في بداية الأمر أن نقيم علاقات طبيعية وسطية مع الجيران.. و لكن الموضوع فشل جملة و تفصيلا .. فعامل اللغة وقف حاجز.. و الجنسية و الديانة حالتا دون إقامة علاقات وطيدة مع الجيران.. ثم أن ضيق الوقت يمكن التذرع به.. كما أن "الغريب غريب" و هذه الذريعة أولى بالسند من أي أخرى..
فكيف لنا أن نأتمن جار لا نعرف شيء عن ماضيه و حاضره و فكره و دينه و أي شيء عنه لمجرد انه يجاورنا؟ ثم ألا تكلف الحياة الاجتماعية ميزانية معينة نحن المغتربون في غنى عنها.. خاصة أن المغترب ينفق جل دخله في فواتير إيجار السكن ومصاريف مدارس و فواتير تليفونات دولية مع ارتفاع فاتورة الغذاء و فواتير العلاج و الطوارئ .. كما يدفع جل مدخراته في التحضير لأجازته السنوية و حجز تذاكر السفر و مصاريف الإقامة في الأجازة و شراء الهدايا للأهل و الأصدقاء و الأقارب و جيرانه في وطنه الأم!

الشاهد - يا نهى - أنه بعد ساعتين من الطرقة الأولى .. دق الباب ثانيةً.. و هنا حدثتني نفسي.. أنه لن تأتي الرياح دوماً بما تشتهي السفن .. و مش كل مرة تسلم الكعكة !! فخفت ثانية.. والله خفت.. رغم انه بالفعل و بالقول، لا يوجد أي مبرر للخوف أو الفزع.. و لكنه الخوف من أي مجهول و من أي غريب و من أي طرقة و من أي طارق .. و من أي كعكة !
و المضحك أن ياسر في هذه المرة كان يصلي العشاء! و تكرر نفس المشهد بحذافيره.. إلحاح محمود لمعرفة من بالباب .. تسمري في مكاني ..ثم صوت فتح الباب وغلقه.. و رغبتي في أن يأتي ياسر سريعا و يبلغني بكل شيء دون أن أسأله .. و قد ترفق بي و جاء و أخبرني أن سائق صاحب البناية قد أتي ليخبره أن المالك منتظره تحت لمناقشة أمر من الأمور المتعلقة بإصلاح شيء في الشقة.. فشهقت الصعداء!

" ثقافة طظ "
لأصدقك القول يا نهى:
أنا لم أكن يوما مع استمرار وضع الجيرة كما نشأت عليه في طفولتي في وطننا مصر..
فقد جاورت بيت جدي.. و لا أزال اذكر أن باب شقة 6 لم يكن يغلق سوى ليلاً.. دائماً مفتوح.. و كأنه دوار العمدة.. ندخل و نخرج و أي جار أو أي غريب يمر.. يقول : السلام عليكم ..
فيرد جدي السلام و يدعوه: تفضل.. حماتك تحبك .. سواء إفطار غداء أو عشاء!
لاحقا و بسب الأزمات الاقتصادية فإن كرماء مصر صاروا يقولون: تفضل .. الشاي!!
و قد تتعجبين- يا نهى- لو أخبرتك أن ذاكرتي لا زالت تحمل صور الثلاث كلاب الذين كانوا يقفون كل يوم أمام بيت جدي ساعة الغداء لتناول الطعام .. و عادي جدا أن تجدي "بابا جدو عبد الحميد" ينادي أحد العاملات في البيت لتسرع بإحضار طعام الكلاب.
كما أن كثير من أفراد العائلة كانوا من سكان ذات العمارة - و كان لكل شقة رائحة أستطيع التمييز بينها و بين غيرها و لو تم وضع غشاء على وجهي.. فطبعا كانت فسحتنا من المذاكرة أن نصعد أو ننزل لزيارة أحد الأقارب .. نأكل و نلعب و نمرح و نسرح و ننام و نلهو هنا و هناك..
و أطباق طالعة و صواني نازلة .. و" طلعي هذا فوق و هاتي مش عارف إيه من تحت".. و كان لا يعكر صفو هذه الحياة" اللي زيتها في دقيقها "سوى وجود بعض الشركات فيها و هنا فإن باقي السكان لا يعترفون بالشركات أو بالعاملين فيها كجيران أو حتى كعابري سبيل.. ومشكلة الشركات في العمارات ليست موجودة في قطر البتة .. لأن البنايات هنا إما أن تكون سكنية و إما أن تكون تجارية.
هذه الشركات - بالعاملين فيها- كانت بئس الجيرة.. لأن الموظفين فيها يتعاملون مع كل شيء في العمارة من منطلق " ثقافة طظ " كأنها مال عام حرام أو أتوبيس حكومي لا بد من استنزافه و تقطيع جلد مقاعده " للتنفيس عن أحقاد الطبقة الدنيا في المجتمع .
فمصعد البيت .. بيت جدي .. كان يستخدمه من الثامنة صباحا و حتى الثالثة عصراً.. موظفوا الشركات .. و كان هناك عامل في المصعد .. لا يسمح بدخول الأطفال أمثالي إذا صادف و سعادة رئيس مجلس إدارة الشركة صاعد لمكتبه!
و سلالم العمارة الرخامية الجميلة و المبنية على شكل حرف" دي" لاتيني كبير .. يتم التعامل معها بشكل غير حضاري من أشخاص يعتقدون أنهم في نزهة نيلية أو في حديقة من حدائق القناطر الخيرية في يوم شم النسيم.. أما أيام الانتخابات .. فكانت أيام سوداء على سكان العمارة .. حيث يقوم جيراننا الموظفين بطبع و لصق المنشورات الإعلانية للدعاية عن ناخب معين و" اطبع و الصق" بشكل مقزز- يا نهى- و كنت أنا و أخي وليد كثيراً ما نقوم بعد انتهاء فترة دوام الشركات بتقطيع كل الملصقات الموضوعة على الحوائط !!
لذلك لم نكن نستمتع بالعمارة اللهم سوى بعد الساعة الثالثة عصرا ..
وهنا كان تبدأ المهمة الصعبة للبواب .. فقد كان عليه مسح سلالم العمارة كل يوم.. يبدأ الساعة الثالثة و النصف عصراً و ينتهي يعد أذان المغرب.. فيمسح كل درج و به 22 سلمة رخامية طويلة بالإضافة" للدرابزين" ثم مسح باسطة السلم التي لا تقل عن 12 متر .. وينتهي بمسح مدخل العمارة الأطول .. و على هذا فلا اندهش من عدم تذكري لأسماء البوابين الذين مروا علينا في عمارة جدي هذه .. لأنهم بالعشرات !! فلم يكن يعش لنا بواب يا نهى !
و رغم أن البواب كان يسكن معنا في شقة صغيرة مخصصة له فوق سطح العمارة .. إلا انه لم يكن يتم التعامل معه على أنه جار للسكان.. بل كان أشبه بالفاعل .. أكثرنا كدحا وأكثرنا تهميشاً ! حتى عم فوزي بواب مدرسة المير دي ديو .. صورته لم تمحها السنين من ذاكرتي خاصة وهو يمسح أرضية ممر المدرسة الرخامي الطويييييييييييييل بلا كلل طوال 12 عام منذ التحاقي بالمدرسة و حتى تخرجي منها.. و رغم أن إدارة المدرسة الكاثوليكية كانت تمنحه غرفة كبيرة ملحقة بالمدرسة العريقة .. إلا انه يقينا لم يكن يتم التعامل معه على انه جار للراهبات..
العجيب أننا نتعايش مع المهمشين بدم بارد.. و نكتفي بالبقشيش أو الأكياس التي نوزعها عليهم في رمضان و الأعياد و المناسبات!!

هنا- يا نهى- يطلقون على البواب اسم " الناطور" و هو بصراحة لا محل له من الإعراب.. ولا يجلس أمام باب العمارة و غير مسموح لنا بأن نطلب منه أن يشتري لنا أي أغراض سواء بقالة أو خلافه.. كما أني لم أشاهده مرة ينظف السلالم .. و لا أرى أي دور له سوى انه موظف لدى مالك العقار له غرفة مكيفة يقطنها مع أحد أصدقائه .. و له عمله الخاص يذهب له في الصباح و يعود منه للبناية في المساء..
هل تصدقين - يا نهى - أني لا أعلم اسم ناطور بنايتنا؟!

الأبواب المفتوحة و النوافذ المغلقة

و قد تحتارين يا نهى.. أي نظم الجيرة أفضل؟
عن نفسي، لا أرى وجه للمفاضلة.. فالنموذجين أحدهما فيه إفراط و الأخر يعج بالتفريط .. فالجيرة على شاكلتها القديمة في مصر لا تسمح بوجود خصوصية تحتاجها البيوت للاستقرار.. فجيرة الأبواب المفتوحة تجرح الخصوصية و تهتك أسرار البيوت .. و جيرة النوافذ المغلفة للمغتربين تشعرك بأنك عربية مسلمة تعيشين في تل أبيب !! إذن ففي الحالتين هناك فقدان للوسطية.

- لقد كنت أسعد في مصر بزيارتنا السنوية لجارتنا الدكتورة سميحة و الدكتور حسني زخاري في عيد الميلاد في السابع من يناير و كنت أراها شبيهة بزيارة شيخ الأزهر للأنبا شنودة في قداس عيد القيامة ..
و لكن كنت اشعر بأن فتح البيوت على مصراعيها يعوق التركيز في المذاكرة أو جلسة هادئة بين زوج و زوجته أو محاولة يائسة لعدم نشر أو تأجيل إذاعة خبر حمل أحد الجيران حتى ثبوت الحمل على سبيل المثال ..أو أخبار الخلافات الزوجية لسكان العمارة!!
فقد كنا نعلم كل شيء عن كل جار .. تاريخه .. حاضره كما كنا و بسهولة نتكهن مستقبله!
نعلم أن فلان جارنا من صفوة الأثرياء لكن بخله جعله يضيق على أهل بيته .. لذا، فلم نندهش.. كون و بمجرد وفاته، دخل مهندسوا الديكور البيت في اليوم الحادي والأربعين للبيت و فوروه !! كما دخلت "جراج" جيراننا سيارتين فارهتين جديدتين أحدهما مرسيدس و الأخرى رباعية الدفع .. و لم يكن ذلك يرمز للثراء و لكن كان تصرف متوقع لمن يريد أن يعب من الطعام بعدما أجبر على صيام نصف الدهر!
أما مشاكل الغسيل و النشر و تنفيض السجاجيد أمام باب السلم التي تعج بها البيوت في مصر و سوريا و لبنان و باق الدول الطاردة لأبنائها، فليست موجودة في دول الخليج.. فبالنسبة للمغتربين و الذين يطلق عليهم في الخليج مصطلح " المقيمين" فممنوع عليهم البتة، نشر غسيلهم خارج النوافذ و إلا غرامة قدرها عشرة ألاف ريال قطري تدفع للبلدية .. لذلك نقوم باستخدام المنشر الداخلي و البعض ينشر فوق الأسطح .. و عادة لا يشتري المغترب سجاجيد غالية أو كبيرة ليقوم بتنظيفها ..
أما الخليجين أو المواطنين فعادة ما يقتنون في بيوت أو" فلل" أو قصور لها أسوار، فيستطيعون نشر غسيلهم بحرية و خصوصية.. كما يقومون بتنفيض سجاجيدهم دونما مضايقة من أحد.. لأن نظم الجيرة لديهم أفقية و ليست رأسية.
وعن نفسي لم تقابلني أية مشاكل مع الجيران اللهم سوى انه في أحد المرات بعد قدوم جار أندونيسي جديد .. وجدناه هو و أفراد أسرته يتبنون عادة خلع الأحذية أمام باب الشقة .. و الحقيقة فقد رأيت منظر النعال مقززاً للغاية.. و بالطبع تحرجت من مطالبة صاحبة البيت بإدخال الأحذية داخل شقتها.. لكني فكرت في تصرف لا يحرجهم و لا يجرح نظري كلما صعدت السلم .. فتوصلت إلى القيام بوضع أآنية للزرع و بجانبها " حاملة أحذية" في مكان وسط لكي يضعوا فيه أحذيتهم بشكل مرتب لا يجرح البصر أو يؤذيه و يضمن لهم الاستمرار في عادتهم التي تقتضي خلع الأحذية قبل دخول البيت.. و لكنهم لم يفهموا يا نهى.. فاستحييت أن أشرح لهم .. فقمت بوضع بعض من أحذيتنا داخل حاملة الأحذية هذه كما قمت بصف أحذيتهم بها.. و تأملت خيراً .. و لكنهم ظلوا على عادتهم بترك نعالهم ملقاة أمام باب البيت.. فاستسلمت لضرورة التأقلم مع عادات بعض الجيران و تلاعبت في أبيات أمير الشعراء:

قولي يا - نفسي- و أنت برة صادقة:
أحملت إنسان عليك ثقيل
أحملت لؤم اللئيم إذا اغتنى؟
أو كاشحا بالأمس كان خليلا؟
هذه الهموم و هذه أثقالها
وزنت النعال بها فكانت ضئيلة


" Kidiology & Oldiology "

طرقة و كعكة تجعلني أسرد كل هذه الديباجة - يا نهى - قبل أن أطمئن عليك و على عائلتك و ابنتك لجميلة منار!
اعذريني.. المهم أخبار الشغل إيه؟
لعلمك أنا فخورة جدا بك .. و سعيدة بعملك في مجال التربية.. رغم إن إدارة حضانة للأطفال عملية شاقة للغاية..
أتذكر كيف كنت تطوقين للعمل أيام سفر الدكتور للسعودية.. فقد كان يمر الوقت بطيئا مملا.. و لكن الحمد لله.. فقد وفقك الله في عمل غاية في الأهمية رغم أنها مسئولية ضخمة.. أشفق عليك منها.. فتربية الأطفال شيء وإدارة الحضانات عمل أخر تماماً .
و كم كنت سعيدة بك عندما زرتك في مقر عملك و شاهدت مستوى الحضانة العالي .. لكني لا زلت عند رأيي - يا نهى- من كراهية تخصيص قسم لحديثي الولادة في الحضانات.
خاصة حينما تكون حضانة من نوعية" كولين".
يبدو - يا نهى- أني لا استسيغ قيام أم لها وضع مادي و اجتماعي غاية في اليسر بترك وليدها و رضيعها في أيامه الأولى للذهاب للعمل لإثبات الذات! ربما يقبل ذلك من عائلة لها ظروف مادية و اجتماعية صعبة! وربما يكون رأيي قاسيا أو عنيفا .. و لكن لما تحرم أم ميسورة ماديا، نفسها من أمومتها أو تحرم وليدها منها و الصغير لا زال رضيعا .. لا يسمع و لا ينطق و لا يعرف من هذه الدنيا سواها و لا يملك أي قوة سوى الصراخ و الدموع؟
أعتقد أن حضانات من نوعية " كولين " و ستبينج ستون" و "شيكويلوجي" و "بنت السلطان" و" كيديولوجي" و غيرها ممن يستقبلون رضعاء الصفوة و خدجهم .. تجعلنا نفهم لماذا يوجد دور راقية للمسنين .. فكما يتركوهم .. يتركون..!!
و أعتقد أن دار لايواء المسنين ستحمل إسم " أولد يولوجي" .. ستفتتح قريبا.. و ستغري الصفوة بترك ذويهم مطمئنين فيها على نوعية الخدمة لممتازة المقدمة لهم.

و هنا قد تتعجبين- يا نهى - أنه قد ظهرت شريحة مسنة في المجتمع تسعى سعيدة للإقامة في هذه الدور .. بل و تذهب بنفسها لحجز مكان .. و كأنهم يريدون أن يظهروا بمظهر المسن العقلاني المتقبل للأوضاع و المتفهم للظروف والغير لائم للأبناء.. و كيف يجرؤن على اللوم - يا نهى -؟
فكما أرادت أن تثبت ذاتها في يوم من الأيام.. و كما سافر أو تزوج و ترك الأبناء في مدرسة داخلية راقية أو عند أحد الأقارب كي لا يكون الوليد عائق لمسيرته .. فسيأتي يوم للوليد يسعى فيه لتحقيق ذاته بوضعها أو وضعه دار للمسنين لائقة و كريمة قد تكون خمسة نجوم .. و من منطلق بيدي لا بيد ابني .. يبادر المسن و يذهب بقدميه " لأولد يولوجي"!
فهم جاهزون بل و راغبون لدفع فاتورة إهمال تربية الأبناء و لكن بشكل يحفظ لهم ماء الوجه !!
إنه القصاص يا نهى ..إنه لا يغفل .. سبحانه .." لا تأخذه سنة و لا نوم...".. و قد جل الذي جعل آية الكرسي هي أهم أية في القرآن الكريم.
يا نهى:
أنا أرى القصاص في كل شيء .. صغيره قبل كبيره.. و كم من أشياء نحسبها تافهة و لن نؤاخذ عليها .. و لكنها تقتص منا و لا نملك حين ينزل القصاص إلا أن نقول" اللهم إن لم يكن بك غضب علينا فلا نبالي".

" الحديدي و هتلر طنطاوي"

لقد حدثتك يا نهى عن والدي - رحمة الله عليه - و ذكرت لك كيف كان شخصية مؤثرة فيمن حوله.. و كيف كان أي شخص يراه ينخدع فيه عند أول مقابلة فيعتقد أنه أمام شخص جبار ..
و رغم أن اسمه محمود إلا أن الجميع كانوا ينادونه بلقب العائلة "الحديدي"!!
الحديدي قال .. الحديدي راح .. الحديدي عمل .. الحديدي سافر .. يا خبر .. الحديدي رجع من السفر!!
و لقد كان اللقب مفزع لي في طفولتي.. كما كنت أرى هيئته و شكله ضخمة .. رغم أن الجميع كان يقول لي أن والدك وسيم للغاية.. و لكني أنا وأخي وليد لم نكن نر فيه وسامة بل كنا نراه ضخماً.. و عندما أخبرنا ذات مرة في جلسة صفاء أنه كان يتمتع بشعر أحمر في صغره ..
أجبناه ساخرين : طبعا و كانت عينيك زرقاء يا بابي !!
و أذكر أن وليد بعدما تخرج وعمل .. التقى في مقر عمله بالأهرام بأحد زملاء والدي القدامى .. فقال لوليد:
: أنت بن الحديدي
: أيوة يا أنكل
: أنت وليد بن محمود الحديدي اللي كان شعره أحمر و ملامحه أجنبية و الفلاحين في البلد افتكروه طيار يهودي لما عمل نزلة اضطرارية بالطائرة في أحد القرى و أوسعوه ضرباً و قالوا له
: و كمان بتتكلم عربي يا بن الذين.. فاكرنا عبط !!
: أنت بن الحديدي اللي لم ينقذه سوى الله عندما وجد الفلاحون في جيبه مصحف صغير فنقلوه على المستشفى و كادت تقطع قدماه لولا لطف الله الذي سهل له السفر للعلاج في انجلترا
أنت بن الحديدي أحد المحاربين القدامى اللي حاصل نوط الشجاعة و و و و و
أنت بن الحديدي الراجل الدوغري اللي اشترك في ثلاث حروب و عمل و عمل و عمل
وقد يكون هناك داع لوصف مشاعرنا وقتها - يا نهى - لكن، عن نفسي لن أتمكن من وصفها..
لكن دعيني أذكر لك أني كنت أرى الناس.. كل الناس تهابه.. كما يهابون الفريق" هتلر طنطاوي" و للعجب، فقد عرفت لاحقا أن الشخصيتين تجمعهما صفة العسكرية و الجدية الشديدتين و طيبة القلب و صرامة المظهر و رقة المشاعر.
لكن يقينا عندما كنت صغيرة .. لم أكن أستوعب سوى أن والدي هو " الحديدي" هذه الشخصية الحديدية التي كنت أراها ضخمة للغاية و "هركليزية " و يجب تجنبها خاصة في أوقات الصباح نظرا لتفجر طاقات النشاط لديه .. حيث يبدأ يومه في الرابعة و النصف صباحا بقوة مائة حصان، فيلعب رياضته و ينظف بيته و يستحم و يحلق ذقنه و يفتح إذاعة لندن ليشعر أن الجميع لا بد أن يبدؤوا معه.. الحياة !
مردداً أية" و جعلنا لكم الليل لباسا و النهار معاشا "
- الحديدي يا نهى كان من الشخصيات المنظمة الصارمة .. عقلية محض عسكرية .. يزهو بتربية أبناؤه على نحو عسكري.. ففعل الأمر و النهي يتم بالنظرة لا بالكلام ..
و سياسيته لم تكن "العصا و الجزرة" بل "العصا و الفلكة" هاهاها
عاشق للتنظيم والإدارة ..
و الغريب أن أهم مفردات قاموس "الحديدي" سواء ال
discipline
و النظام و احترام الوقت و تحمل المسئولية و السعي للإجادة والإتقان في العمل و احترام الكبير و مؤازرة المريض و الاستمتاع بالنظافة و الاهتمام بالرياضة البدنية.. لم تكن تمثل لنا مجرد شعارات نسمع عنها .. لكنها كانت مفعلة في حياته و حياتنا .. نراها رأي العين.. فقد أتقن طهيها رغم أننا لم نكن تستسيغ لها طعماً في الصغر!
و الغريب أني كنت أرى الغالبية تحترمه و تحيه و تشيد به .. أما أنا فلم أكن أرى الأمر على هذا النحو .. حتى أني تجرأت في أحد المرات و سألت والدتي ما معناه : ما الذي دفعك للزواج بشخصية بهذه الصرامة وأنت سيدة بنت عائلة و جميلة و مثقفة؟ كما ألمحت لها أنها لو كانت صبرت قليلا لكان جاءها نصيب ألطف!! و الحقيقة فقد احتوتني بردها و أخبرتني أنني فقط لا أفهمه و سيأتي يوم أقدره كل التقدير .. و قد كان!!
و مع الغروب - يا نهى- تجدين نفسك أمام كائن غاية في الطيبة فقد نشاطه وحيويته و طاقته و تقلص "الإدرنالين " في دمائه فتحول شيئا فشيئا إلى إنسان وديع .. فتسعين لمحادثته في مشاكل و لو مفتعلة فينصت لك رغم إجهاده و عنائه حيث كان يعمل طوال النهار بكل ما أؤتي من كيان و جوارح .
و أذكر- يا نهى- أنني لم أكن أجرؤ على طلب شيء منه سوى ليلاً .. حيث يكون شبه نائم .. و أي شيء أطلبه منه يوافق عليه..اللهم لأني كنت أعتبر تأوهاته حينما ينام متعبا على الفراش و يقول:" آه .. أه.." كنت أعتبرها بمثابة إيجاب و موافقة على طلباتي و أستند عليها في تنفيذ ما أريده لليوم الثاني.
و لأنه كان حريصا على اصطحابنا معه في معظم زياراته العائلية أو زيارات الأصدقاء..
ففي إحدى المرات التي لن أنساها .. كنا معه نلبي دعوة عشاء.. و الحقيقة لقد بدا والدي - رحمة الله- فخورا للغاية بتربية أبناؤه مشيراً إلى أنه قد دربهم على أن يفهموه بالإشارة و النظرة و قالها باللفظ:
"أنا معلم الأولاد إنهم يتلَطعوا عند الضيوف ذي المسمار في الكرسي .. ما ينطقوش .. ما يتحركوش من مكانهم إلا بإذن "!!
و قد لاقى تعليقه استحسان و ترحيب الحضور .. بل استطيع القول أن البعض كان يغبطه على هذه النعمة حيث أنهم يعانون من أبناء شياطين!
و قد ُرمي على التعليق كالصاعقة.. و نظرت لأمي فوجدت نظرة المؤازرة التي تشيد بصحة تربية زوجها للأبناء .. فما كان مني - يا نهى- و أنا بنت السبع سنوات تقريبا .. إلا أن رفعت يدي طالبة الكلمة من أبي أمام الجميع .. و حين أعطاني الإذن.. لم أطلب سوى الذهاب للحمام .. فوافق مزهواً بابنته الصغيرة المدربة على الذهاب وحدها .. دون مساعدة من أحد.. لقضاء حاجتها.

نعم لقد ذهبت للحمام و أنا في السابعة من العمر في بيت معارف والداي مع سبق الإصرار و الترصد.. عازمة أن أري الجميع كيف نجح" الحديدي" في تربية أبناؤه!!
فدخلت الحمام و أمسكت بعلب الشامبو و " كب كب كب كب" على الأرض و في "البانيو" و على الحوائط .. و أذكر أنني خفت وقتها من شيئين:
فرغم معرفتي بأن سيدة البيت ليست من النوع الطيب الذي يداري على خطأ طفلة صغيرة .. إلا أنني خشيت أن تصاب بصحوة ضمير و طيبة لا داعي لها في هذا الظرف الانتقامي .. فتستر على جريمتي.. كما كنت أخشى ألا تدخل المضيفة - مكان الحادث - سوى بعد أن تنتهي زيارتنا و نمضي .. فقمت بدلق باقي منتجات الشامبوهات والبلسم و الصابون و معجون الأسنان و مستحضر خاص لذوي الشعر الرمادي " خاص بصاحب البيت " و معجون خاص بالحلاقة وآخر بالأسنان و زجاجات عطر وكله .. كب و ادلق على ملابسي و شعري و وجهي.. و خرجت هكذا .. على هذا النحو الإجرامي .. و براءة الأطفال في عيني .. في مشهد كوميدي أسود لم يخطر ببال فطين عبد الوهاب في أقوى أفلامه الهزلية.. و لم أتفوه بكلمة.. فقد كنت مستمتعة بقيامي بالجريمة الكاملة أو " ذو برفكت مردر"

Perfect Murder

و لم تكن تعنيني أصوت الضحكات التي زلزلت أركان الصالة - يا نهى- كما لم أهتم بسماع التعليقات التي قيلت" للحديدي" في حينها.. و لكني تعمدت النظر لقسمات والدي- رحمة الله عليه - و قد تمتعت كل المتعة بملاحظة وقع الصدمة و الكارثة بل و المصيبة عليه .. و هنا سكنت روحي المنتقمة.. و أنا أعلم أن ترجمة هذه الضحكات تعني لوالدي فشله المدوي في إنجاب و تربية " مسامير في الكرسي"!!
و أذكر- يا نهى- أنني كنت متوقعة بل و متقبلة كل العواقب التي بدأت منذ خروجنا من عند الضيوف بدءاً من "الشلوت" الذي رميت به رمية أشبه "بأوفسايد" شاطه أبوتريكة ليسدد هدف في مرمى الخصم.. و لم أتألم و أنا أقع من على السلم على أثر "الباك ساملسولت" الذي كانت تقوم به " نادية كومانشي" في الثامانينات .. بل ربما فرحت بصراخه الهستيري في و في أخي ووالدتي التي لم أشفق عليها في هذا السن لأنها لم تعترض على مقولته " انه ربى أبناؤه ليكونوا كالمسامير في الكرسي !"
و مرت الواقعة بسلام .. وصفا والدي لي و ربما نسي الحادثة و علمتني الأيام لاحقا أنه كان الحنان و الطيبة و الحزم .. و لكن عسكريته كانت لا تجيد سوى لغة الصرامة و الجدية .. و كنت قد اعتقدت أني أخذت عقابي التام و المتوقع عن هذه الجريمة الطفولية سواء من الضرب و خلافه.
و لكن منذ عام تقريبا و أنا في أحد زياراتي لسيدة فاضلة تعلمني التجويد هنا في قطر .. ذهب محمود ليلعب مع أبناؤها الصغار .. و باختصار -يا نهى- دخل محمود علينا الصالة مبتلا تماماً شاهراً في يده زجاجات الشامبو الفارغة !!!!!!!!!!!!!!!!
و رغم أن جميع الحضور من السيدات كن طيبات للغاية و ليس لهن أي فكرة عن "سوابقي الإجرامية" .. و رغم أن زوجي لم يكن معي .. و رغم أن الضحكات كانت من القلب و ليست للتشفى أو أو أو.. إلا أني مضطرة أن أخبرك أنني فقدت السمع لحظتها في مشهد أشبه ما يكون فيه المخرج قد قطع الصوت عن الفيلم و ترك المشهد حركة و صورة فحسب .. و قد انعدمت رؤيتي و لم أسمع سوى صوت صدى وجود الخالق .. لقد كان هذا هو صوت القصاص يا نها!! و عبثا أحاول التحرك من مقعدي للذهاب للشرفة لتنفس أو للنظر إلى السماء على أجد إجابة على تساؤلاتي.. والغريب أني وجدتني ملطوعة كالمسمار في الكرسي!!!
فنظرت إلى سقف الصالة بعدما عجزت للنظر إلى صفحة السماء في الشرفة .. و كنت أريد أن أساله سبحانه " لما؟
لما استفسارية و ليست اعتراضية؟
و لكني سألت نفسي
: و" لما اللما "و أنا أعرف أن" لكم في الحياة قصاص يا أولى الألباب"؟
: و" لما اللما " و أنا أعلم يقينا أنه " و لو بعد حين "؟
: و" لما اللما "و الموضوع يتعلق بالوالدين؟
: و "لما اللما" وأنا أعرف أنك كما تدين تدان"

القصاص اللطيفً

لقد كان قصاصا لطيفاً روعي فيه سني ساعة اقتراف الجريمة الكاملة و روعي فيه تفاصيل أخرى دقيقة منها سن محمود وقتها ( ثلاث سنوات ) و لكني كنت انظر حولي و كأن أحداً لا يراني و أقول له: لقد كنت بعد صغيرة.. لقد كنت طفلة .. ثم أن إهانته كانت دافعا .. كما أنني قد دفعت الثمن و قد عاقبني والدي حينذاك.

نعم يا نهى.. لقد عوقبت في طفولتي على الفعلة .. أما و قد كبرت.. فقد اقتص مني و عوقبت على سبق الإصرار و الترصد.
يااااااااااااااه.. سبحانك يا ربي..
إن أحدا لم ينظر لي نظرة كالتي رمقت بها والدي يومها و لم ير أحداً- إلا الله- سوى سلوك عادي لطفلة لعبية نوعا وصفوا فعلتها من باب " شقاوة أطفال" إلا أنني وحدي تمكنت من فهم الرسالة..
اللهم اغفر لي و لوالدي يا أرحم من سؤل..

ياااااه يا نهى:
سبحان من يرزقنا البصر صغارا.. و شيئا فشيئا ينقص البصر و يضعف .. فيعوضنا عنه البصير بالبصيرة التي تزيد غالبا و لا تنتقص مع الأيام..
هذا البصر الذي لم يكن يرينا سوى حزم الأب و شدته التي كنا نراها وقتها ببصرنا قسوة .. و كم من أب تم رؤيته في الصغر بشكل عنيف قاس.. إلا أن أرحم الراحمين قد أزال الغشاوة من العين ونور البصيرة و جعل الأبناء يروه في الكبر وسيما أنيقا جميلا رشيقا شبيها "بأحمد رمزي و روك تيلور" إلا أنه صالحاً لأن يكون نعم الأب- ليعملوا كل ما في وسعهم ليتم الإشادة بتربية أبناؤه تماما كما كان يريد.

رب أمر كنت لما كان عندي.. أتقيه
بت لما غاب عني و توارى .. أشتهيه
ما الذي حببه عندي.. و ما بغضنيه
أأنا الشخص الذي أعرض عنه
طلاسم (أبو ماضي)


أباء " كووول "

و العجب كل العجب - يا نهى- أن تجدي - أحياناً- العكس صحيح .. فكم من أبناء قد نعموا بالعيش في كنف أباء ظرفاء.. لطفاء.. لا يعنيهم سلوك أبناؤهم و لا يجودون من أوقاتهم سوى بسويعات محدودة في تربيتهم تربية " قل و لا تقل".. لكنهم في المجمل أباء" كووول " للغاية يتمتعون بمواهب عدة وهوايات شتى.. يعيشون لأنفسهم فحسب.
أباء و أمهات من نوعية " ماما نونة " ينجبون أبناء من نوعية " حمادة عزو" يتعاطون مع الحياة بلا مبالاة لكن نيتهم طيبة .. أو لو شئت الدقة لا توجد نية من الأساس.. يعيشون بشكل همايوني .. جهجهوني.. لا يعنيهم سوى الفسحة مع أبنائهم و قضاء وقت ممتع معهم أو بدونهم !

أذكر منهم رجل متعدد الهوايات .. يعيش لذاته مع لذاته.. أب كان يتشاجر مع زوجته لأنها تهتم بمذاكرة الأبناء .. فهو يريدهم بجانبه يشاهدون الأفلام و يتابعون معه مباريات كأس العالم .. و يخرجون معه للصيد أو للعب الجولف والبلياردو ومن الممكن ليلة امتحان أحد الأبناء .. أن تجد الإبن قد فقد كتاب الجغرافيا .. و تظل الأم و إبنها يلهثان بحثاً عن الجغرافيا .. أين راح الكتاب؟ أين اختفت الجغرافيا ؟ و يساورهما الشك .. فتتصل الأم على الجوال بالأب .. لربما لمح الكتاب هنا أو هناك..
: تدفعي كام وأقلك على مكان كتاب الجغرافيا؟
: الله يخليك .. أبوس إيدك.. قول بقه .. مش وقته .. فاضل كام ساعة على الامتحان!!
فيرق قلبه "الحونين " و يخبرها بالحقيقة المرة
: كتاب الجغرافيا تحت مفرش طاولة السفرة.. وعلى فكرة كتاب الدين- لو عايزينه .. دوروا عليه .. أه .. باين خبيته تحت بياضات كنبة الصالون!!!
: لا حول و لا قوة إلا بالله.. ربنا يسامحك ! طب ليه؟
: ما أنت كل شوية تذاكري مع الأولاد و أقعد لوحدي!!
: أنت إيه يا أخي.. أقولك إيه بس!
: لا تقولي و لا تعيدي .. ما تكبريش الموضوع .. الله .. و بعدين أنا هاصالحك يا ستي .. اوعي تنامي أنت و الأولاد .. بس الله يخليكي اعملي لنا شوية رز و سلطة في السريع ، عشان اصطدت لكم شوية سمك.. بيلعلط .. و هأعملكم أكلة صيادية رهيبة و هاشويلكم الباقي و نقضي سهرة للصبح.
: سهرة إيه يا بني أدم !! باقلك في امتحانات بكرة و أنت تقول لي سمك و شوي و سلطة و سهرة.. مع السلامة!
: الله و الساااااااااااامك؟!
و تكون النتيجة هي تمتع الأبناء في الصغر بهذا الأب " اللي شاري دماغه" و الذي لا يعنيه قضية تعليم أبناؤه.. فلا يثور إذا رسب إبنه .. كما لا يكافئه إذا نجح أو تفوق .. فهو يمثل لهم الفسح و" الهنكرة" و اللا مسؤولية و الحياة المرحة المليئة بالملذات.. يحبونه بل و يفضلونه على الأم التي ترمز للمذاكرة و الواجبات و الالتزامات و المسؤوليات.
ثم تدور الأيام.. و يكبر الأبناء فيدركون الحقيقة.. و تزال الغشاوة من على بصيرتهم.. فيرون الصورة على حقيقتها .. و يبدأ الأبناء يتحسرون من نصيبهم في هكذا أب.. لا يعنيه سوى رحلات الصيد أو أو أو.
و تتغير العلاقة و طريقة التعاطي و التعامل مع الأب بل و يبدأ التطاول عليه باللسان و اليد .. فيستنجد الأب بالشرطة تماما كما فعل حمادة عزو .. و تبدأ المواجهة.
: أنت أب أنت؟ مش مكسوف من نفسك.. أنا مكسوف لك يا شيخ و مكسوف منك.
: إيه اللي بتقوله ده يا ولد..أنت بن عاق و ربنا هيدفعك الثمن غالي.
: الله الله الله. . قلت "ربنا ".. يا راجل .. قول كلام غير ده.. أنت عارف إنها أول مرة أسمعك تذكر ربنا.. إلا فكرني كده.. عمرك صليت أو ركعتها ؟! طب تعرف سنة المغرب قبلية و لا بعدية ؟! أنا عمري ما شفتك أديت فرض من الفروض لا صيام و لا زكاة و لا غيره.. دا أنت لما بتتشاهد بيكون من منطلق" نرفزة" و تعبير عن غضب مش عن إيمان .. و لما كنت في يوم من الأيام غني وعايش في دور رجل الأعمال و سافرت أوروبا كلها و هيصت و صرفت .. عمرك ما فكرت تحج؟ النهاردة بتقول ربنا !! ده ناقص تقول لي: قال الله و قال الرسول.. بالمناسبة : قال الرسول ( ص):" كفى بالمرء إثماً أن يضيع من يعول"
ضيعتنا يا شيخ .. ربنا ينتقم منك.. و على رأي الشاعر:
لو جاء مثلك في زمان محمد ما جاء في القرآن بر الوالد
: اخرس يا ولد .. اخرس.. أنت بتكلم أبوك
: بمعنى؟
: مش عارف يعني إيه أبوك؟
: لا أنت اللي مش عارف يعني إيه أبوة.. الأب قدوة.. الأب عمل و فعل ورعاية و تحمل مسؤولية.. مش فسح و رحلات و أكلات و تواكل.. الأب يعني سند .. يعني راجل ابنه يعتمد عليه.. أنت عارف أنا مسنود على إيه ؟ على غزل البنات !! أنت عارف.. و أنا صغير كنت متأكد انك عمرك ما هتقول لي لا..
: زودي لي السكر في الكاكاو يا ماما
: لا يا حبيبي عشان صحتك
: زود لي السكر يا بابا
: حاضر يا حبيبي .. و خد علبة "التشوكلات" دي أخفيها تحت السرير .. وإياك الحكومة تشوفك!
: مش عارف أقلك إيه .. بالذمة دي تصرفات أب عنده ذرة شعور بالمسئولية عن صحة أولاده؟
: كمان تلومني أني كنت بأرضيك.
: أنا أحملك مسؤولية .. يعني فرضاً شبط في حشيش .. توافقني عشان ترضيني ..هو أنا كنت أعرف الصح من الغلط .. هو أنا كان عندي معرفة أو علم أو خبرة.. ما أنا كنت مسئول منك.. و النتيجة أني تخنت و فشكلت.. لكن أنت كنت مبسوط و عايز تثبت لأمي: "أن على فكرة.. الولد طالع لي و بيحب الكاتشب تمام ذيي " ..
وعودتني على" الجانك فوود " و الدليفري و الحلويات و الدهون و السمن .. و خد جيبتلك بسبوسة.. و تعالى ننزل نجيب رز بلبن من المالكي.. و عارف لو نجحت.. هأشتري لك تورتة أيس كريم من عند "كرنفال ".. و النتيجة إن الخلايا الدهنية في جسمي زادت .. و لما تحب تسخر مني و تشتمني تقول لي : يا فشلة..
مع انك أنت اللي فشلتني .. أنت الفشل كله .. و النهاردة بأسائلك عن كل حاجة كنت المفروض تقوم بها عني .. أسائلك ليه كنت متكل على أمي و رامي عليها الحمل كله؟ ليه هي اللي تشيل مسئولية فشلك في أعمالك و مشاريعك ؟ ليه هي اللي تستلف و تتسول عشان تصرف علينا ؟ ليه هي وحدها المسئولة عن مذاكرتنا و نجاحنا أو فشلنا؟ ليه هي اللي تركب مواصلات و تروح تبحث لنا عن مدارس وتشوف الجامعات و تشترك في النوادي و تدور بنا على المستشفيات .. و أنت قاعد في البيت مع إنك أنت اللي تعرف تسوق؟ و مع إن العربية بتاعتها هي .. ليه هي الأم و الأب؟
: أمك مفهماك كده؟!
: أبدا.. المشكلة انك كنت فاكرنا عمي و طرش و مش ملاحظين أي حاجة.. مش ملاحظين أن السجائر اللي أنت بتدخنها.. لف .. يعني حشيش.. مش ملاحظين أنك بتشرب خمور و طبعا لا صيام و لا صلاة .. مش ملاحظين بتصرف فلوسك على إيه و على من؟ مش ملاحظين انك كنت واضع أموالك في بنوك ربوية .. مش ملاحظين انك مش فالح غير في اقتراح المشاريع اللي بتشرعها بفلوس غيرك و كل يوم بفكرة شكل و تأخذ من فلان و علان.. و كاسفنا مع الناس.. مش ملاحظين من الضيوف ال" في أي بي" اللي تستقبلهم بترحاب كبير و من الضيوف "السكة "على شاكلة جدتي.. حماتك اللي كنت تتطاول عليها و تعاملها بتجاهل و ازدراء و تشعرها أنها عبئ عشان تطفشها من البيت .. مش ملاحظين إلى أي درجة كنت تتكلم أمام الناس بشكل و من خلفهم.. حاجة مختلفة تماما .. مش ملاحظين خططك و حساباتك و توقيعك بين الناس.. مش ملاحظين انك لما تحتاج حاجة تقلب وشك و تضرب بوز عشان نيجي نسألك في إيه و عايز إيه؟!

: يااه.. طلعت أبوك خمورجي و ربوي و شيطان .. و كمان ناوي تحاسبني على فلوسي .. و بعدين .. هو أنا جايبهم من حرام ؟ و من اللي سمح لك تحاسبني من الأصل؟! بقه أنت مسلم أنت وعامل لي متدين و لاصق فوق سريرك شعار" الرسول قدوتنا "
: الرسول .. الرسول كان في ميدان المعركة .. أما نحن.. ففي هدنة !!
: أنت شارب حاجة يا ولد؟
: تخيل مش شارب و إلى الآن في كامل قواي.. لكن عموما يا سيدي .. فلوسك حلال .. ما سرقتهمش .. و وارثهم أو هدية .. و"من حكم في ماله فما ظلم " مش كنت بتسمع لماما حكمة العمر ليل أنهار.. يعني يبقى معك مليون جنيه من الحلال و تشتري بهم ماسة نادرة و تشترك في نادي الجولف و نادي السيارات و نادي البلياردو و نادي العاصمة "السي سي".. و طالع بمضرب الجولف و نازل بأستيكة البلياردو و خارج بالسنارة و داخل بالبلي .. و تبعزق على فلان و تبشرق على مش عارف مين.. و كله بالحلال .. لكن من يصرف على أولادك ؟ من مسئول عنهم و عن احتياجاتهم .. من سبب وجودهم في الدنيا و مفروض يعلمهم و يربيهم و يخليهم أولى أولوياته؟ ما طبعا لازم لزوم الفنجرة .. ترش على أخواتك!

عكوسات

: أنا عمري ما عزيت عنكم حاجة يا بني.. أنا ياما صرفت عليكم و اللي يقول لك غير كده كذاب.. لكن أنت مجنون يا ولد مش عايزني أساعد أعمامك.. دول أخواتي.. دمي و لحمي !
: و احنا دم و لحم مين؟ هو إحنا مش أولادك.. مش أولى .. ثم من قال أني بأعترض على انك تساعد أعمامي .. ساعد يا سيدي أخواتك لو معاك زيادة .. لكن تحوج أولاك و مراتك و تخلينا نمد ايدينا للناس .. من يصرف على أولادك لما عمال تفنجر و عامل " فييس" عشان شكلك يكون حلو أمام أخواتك و شكلنا يبقى وحش أمام كل الناس؟ أنت نسيتنا من حساباتك فترة طويلة وارتضيت إن ماما و أخواتها يصرفوا علينا و حطيتنا في وضع مذل مع أننا مسئولين ماديا منك أنت!
يا مواطن ده أنت بيعت أمي كل حاجة تمتلكها .. لدرجة في الآخر الست اضطرت تبيع ماء وجهها.. ده أنت خسرتها كل حاجة حتى في الآخر خسرت أشقائها - على أساس أنها من الأول بايعة أخواتها - يا شيخ دي الست لسعت منك و شعوذت.. و ما سابتش دجال إلا و كشف على المطبخ بتاعنا و على البيت كله و بقت تقول:" عكوسات" .. من الأخر يااااااا – مش عارف انطق كلمة بابا.. مش راضية تطلع.. عموما.. إحنا لم نكن ضمن أولوياتك.. و حتى لما لعبت دور الممول لفترة .. لكن فينك من دور الأب؟

أنا كنت محتاج أب!

- أنا كنت محتاج أب يكون جنبي.. يقلب المحطة في الوقت المناسب .. فأفهم أنه ما ينفعش أشوف المشهد الفلاني.
- أنا كنت محتاج أب يدافع عني لما زميلي ضربني على قفايا فأدخل المدرسة و جنبي والدي.. درعي.. لكن سيادتك لم تتمكن من الحضور لأن كان عندك ماتش.. و اكتفيت ب: "ماما هتشوف الموضوع ده .. ما تقلقش.. "رغم أني كنت محتاجك أنت تكون موجود حدي..
- أنا كنت محتاج أب يزورني في المدرسة والمدرسين يقابلوك في يوم من الأيام .. إلا عمرك ما حضرت لي مجلس أباء و لا غيره.. ولما كنت أمرض .. كنت محتاج أشوف ايديك مرفوعة للسماء و جبهتك موضوعة على الأرض .. تدعي ربنا لي و تطلب لي منه الشفاء .. فأشعر بغلاوتي عندك ..
بالك لو كنت شفتك مرة دمعت على الآمي .. ياااااااااه.. مش نظام :" خديه للدكتور الله يخليك أصلي مرهق و تعبان .."
- كنت محتاج أب يراقبني و يشوف بأهبب إيه على النت.. مش كل همه انه يتباهى أمام الناس انه مشتري لأولاده كمبيوتر حديث و مشترك لهم في" الدي أس ال": و الولد ده خلبوص كبير .. و الله ما باشوفه خالص .. الكمبيوتر واخده مني .. هيه .. جيل.. هو أنا لما كنت في سنه كنت أستجري أقفل على نفسي و والدي في البيت؟!
- أنا كنت محتاج أب يكون همه الأول .. أنه يبني أولاده .. مش يبني لهم .. و النتيجة إنك لا بنيتنا و لا بنيت لنا !
- أنا كان محتاج أب يكون له نظرة في أصدقائي و يعطيني رأيه فيهم و يقول لي : سيبك منه الولد ده .. مش هو ده الصديق الصدوق .. لأن أخلاقه زفت و هيضيعك.. لكن كل اللي كان همك.. أني أقاطع أولاد خالاتي لأنك كاره أي علاقة مع أقارب أمي .. بغض النظر عن مصلحتي .. رغم أن أقارب أمي ياما ساعدوك.. و أخرها توسطوا لك للحصول على وظيفة محترمة.. بدل ما كنت تحمل اسم لعيب.
: لعيب يا بن ال
: اشتم و ماله .. لكن كنت هأقدر إنفعالك و أقدرك أنت شخصياً لو كنت شتمتني أو حتى ضربتني عشان تدافع عن مستقبلي ولو بمنع المصروف عني.. أو لو كنت لطشتني قلم لما إمتنعت عن التعليم.. لكن أنت استنجدت بالبوليس لما مكانتك أنت تهددت كأب .. مش لما مستقبلي الدراسي أنا كان مهدد !!
-أنا كنت محتاج أسافر معاك أنا و أخواتي و أمي نشوف العالم و نتباهى بك و بوجودنا معك فنشعر بترابطنا كأسرة و بأن والدنا لا يتركنا عشان يتفسح لوحده .. لكن طبعا أنت كنت تفضل السفر وحدك بره مصر.. لزوم الحرية و الفرفشة.. و كنت فاكر أن شنطة هدايا وشوية حلويات كفاية علينا..
- أنا كنت محتاج حد يحكم ما بيني و بين أخوتي ويعرفني إذا كنت غلطان و لا عندي حق إذا اختلفت معهم.. و بعد لما يعرفنا الصح من الغلط .. يصالح ما بينا.. مش كل لما حد يشتكي لك.. تكبر دماغك و بوسوا رأس بعض يا ولاد .. بالذمة دي مصالحة دي و لا مهادنة و لا بتنيمنا و لا إيه بالظبط ؟!
- أنا كنت محتاج أب يسهر معايا ليلة الامتحان .. حاضر و موجود إذا احتجت سؤال .. يجاوبني .. يمنع فتح التلفزيون و يرفع سماعة التليفونات عشان أركز و الصبح يدعي لي و يقرأ على آية الكرسي و " فهمناها و سليمان.... "و يطمني .. مش أب قاعد "مجصطن" و ممدد رجليه أمام التلفزيون و عمال يقلب في الفضائيات :"و فين العشاء .. و فين الحلو ؟ " و ممكن بكتيره يقول: يا الله عايزينك تبيض وشنا مش ذي كل سنة ! و رامي الحمل كله على ماما .. هي اللي تحضر لك و تجهز لنا الغداء و يعدها تنظف المطبخ .. بعدين تقوم تذاكر لنا و بعدين تسهر تصلي و تدعي لنا.. و سيادتك فاضي و مركز في مشاهدة الفضائيات وأصوات ضحكاتك و تعليقاتك على أحداث الفيلم تنرفز.
- أنا كنت محتاج أب يكون إستشاري تنفيذي مش إستشاري فقط !
- أنا كنت محتاج أب يمارس الحنان و الرحمة مع زوجته.. مش متسيد عليها .. فأتعلم و أشوف بعيني المعنى الفعلي للمودة و الرحمة!
- أنا كنت محتاج أب "مش مطاط" مش من نوعية محترفي تقنين الضحكات .. يعرف لمن تمنح و لمن تمنع .. و لو بقايا ابتسامة كان مانحها لشخصية غنية شهيرة .. يسحبها .. إذا واجه بعدها شخص فقير على هامش الحياة!
- أنا كنت محتاج أب مركز معانا.. لكن أنت طول عمرك مركز في نفسك .. في هواياتك و في مستقبلك الرياضي و التجاري و مزاجك و في ظروفك و أوضاعك .. يا شيخ أنت حولتنا لأيتام وأنت عايش!
: يا بني .. اسمعني
: الله يخليك.. ما تقلش يا بني.. ناديني باسمي .. والحمد لله أنت ما اخترتوش ..على فكرة أنا عارف انك اكتفيت باختيار اسم اخويا الكبير لزوم مجاملة صاحبك .. ما أنت العرفان بالجميل عندك و الصداقة آخرها- في مفهومك- انك تضحي باسم ابنك البكري و تسميه على اسم صاحبك حتى لو كان اسم قديم .. و تأخد بنط على حساب أسمائنا .. لكن تعطي صديقك حقه.. توفيه نصيبه.. لا .. مش للدرجة دي.. و الأعذار تشتغل .. و أنا أصلي كنت مخنوق .. أعتقد يا والدي العزيز أن ده يعتبر درس عملي لأبنائك من والدهم القدوة في كيفية خيانة الصديق وعدم الوفاء بالعهد معه.

: أنا والدك و تحترمني غصب عن عينك و مش هتحاسبني يا قليل الأدب.

: لا أحاسبك وأحاسبك و أحاسبك و نص كمان .. أحاسبك لأنك مسئول عن قلة أدبي أو إنعدامه .. تعرف أنت لو كنت رجل فقير.. كحيان أو معدم .. لكن مسئول وعندك شوية دين .. كنت أعطيك ألف عذر و عذر .. و كنت أعتز بوالدي المكافح.. اللي كان يقطع من قوته عشان يربينا و يعلمنا .. ما أغلب الأغنياء كانوا معتزين بآبائهم الفقراء.. أنت عارف " نيشان" اللي أنت غاوي تتفرج على برنامجه " العراب "هذا المذيع يا كابتن.. ليل نهار كان فخور بوالده كان الإسكافي أو الجزماتي .. لإنه عرف يربي !
- تعرف أنا ممكن أفهم سبب قيام أب قروي ساذج بشراء موبايل عشان يفرح أولاده حتى لو وضعه و هو نائم بجانب أبناؤه تحت المخدة .. لكن أنت متعلم أو مدعي علم .. و عارف مخاطره و المفروض انك أنت تمنعنا عن حاجة ذي كده.. خصوصا إنك عارف إنه مسبب للسرطان..
تعرف حضرتك لو كنت جاهل.. أو أمي.. فممكن أتوقع منك إنك تقول لماما :هاتي البيرسول و رشي شعر العيال عشان الأمل اللي فيه.. لكن ده أنت ببدلة و خريج جامعة و سافرت و رحت و عامل فيها مثقف و بتقرأ لهيكل .. يبقى كيف أسامحك.. هو أنت من الأصل معتقد انك غلط و لا طلبت السماح!

- كمان عايزني أستسمحك .. ده ناقص تقول لي : بوس ايدي ..اسكت مش عايز أسمع صوتك .. أنت زودتها و

- لا مش هاسكت .. هأكمل و هتسمعني .. تعرف.. أنت لو كنت مهاجر أو مغترب و مضطر تتركنا لتوفر لنا حياة كريمة .. كنت أقدر لك جدا غربتك و سعيك للرزق الحلال لكفاية أولادك.. و عمري ما كنت أصدق كلام الإعلام اللي بيروج أن المغتربين بيهملوا أولادهم .. لأنه مش بإختيارك .. بالعكس كنت هادافع عنك وعن غيابك عن حياتنا .. ما سيدنا إبراهيم لم يعش مع ابنه إسماعيل و لا مع زوجته السيدة هاجر فترة طويلة .. و لكن كانوا يقدروه جدا.. لأنه كان مضطر و كان هناك أمر الهي بترك أهله.. لكن أنت لم تنفذ أمر ربنا .. مش ربنا قال لك :" و أؤمر أهل بالصلاة و اصطبر عليها...."
مع ذلك عمرك ما سألتني إن كنت بأصلي .. مكسل و لا مصهين.. أصل الصلاة مش قضيتك..
صدقني أنا مش معني بانتقاد أوضاعك المالية المتعثرة .. لكن أنت كنت تمتلك فلوس و شباب و صحة و ضيعتهم و ضيعتنا.. و النهاردة بتقول لي: ربنا ! و ناقص تتوعدني بمصير من يعق أبويه.. عمرك ما خطر في بالك انك أنت اللي عاق لأبنائك!
تصدق أنا كان نفسي أكون أنا اللي أبوك عشان أربيك و أوريك كيف تكون التربية على أصولها ..طبعا كلامي مش عاجب لكن.. تفتكر أنا ما كانش نفسي يكون عندي أب محترم أكن له كل تقدير و احترام .. أب أفتخر فيه و أبوس إيده أمام العالم كله؟َ!
عارف: في رمضان أحياناً.. بأدخل في دور دين بمناسبة الشهر الفضيل..لكن الصعوبة الحقيقية اللي بتواجهني هي فشلي التام في معاملتك كأب.. يا أخي مش قادر أحترمك!!
: أنت أصلك ولد عديم الرباية .. بن ستين
: أتفق معك كلياً.. أصل لو مؤاخذة " البابا بتاع الأنا "ما كنش فاضي يربيني.. كان مشغول و أنده ماتش".. و موضوع بن ستين صحيح .. لأن العرق دساس! وعلى فكرة أنا "مستخسر "فيك اخويا الطيب!!
: أخوك برقبتك يا سافل يا منحط.. يا....
: كمان ما اختلفناش .. لكن أخويا الطيب مش صنعة يديك وحياة عينيك.. و طلع منك "ستروبيا " ما داهية لو كنت فاكر إنه تربيتك .. ده يخلق من ظهر ...
: اخرس .. قطع لسانك.. اخرس
: و ماله .. ما ابنك لما يكون من غير لسان و فيه أي مصيبة أو عاهة.. ما هيعرك .. و ده هدفي في الحياة.. هدفي أن الناس تشاور علي و تقول: الفاشل بن الفاشل.. و كل خوفي انك تمرض مرض الموت و تجمعنا في المستشفى في مشهد إبتزاز عاطفي ..
و نظام: "سامحوني يا أولادي .. اء "..
وبعدين نغني لك أغنية عمرو تعالب: "كان طيب .. كان حنين.. اتاريه كذاب كبير.. مش ذي ما كان مبين .. ده خدعنا سنين كتير!!"
: بره .. بره .. امشي اطلع بره.. مش عايز أشوف وشك.. يا رب تموت.. يا رب تتحرق بجاز .. أنا بريء منك ليوم القيامة!
: الله الله الله .. ده احنا بقينا نفكر في يوم القيامة أهو!!!

إن يك الموت قصاصا، أي ذنب للطهارة
و إذا كان ثوابا ..أي فضل للدعارة
و إذا كان و ما فيه جزاء أو خسارة
فلم الأسماء إثم و صلاح؟

رب شخص عشت معه زمنا ألهو و أمرح
أو مكان مر دهر و هو لي مسرى و مسرح
لاح لي في البعد أجلى منه في القرب و أوضح
كيف يبقى رسم شيء قد توارى
طلاسم ( أبو ماضي)

المرأة الخارقة

عارفة يا نهى:
ربنا يقدرك و يعينك لأن مجال عملك في التربية صعب و نسبي للغاية.. و ليست له قوانين ثابتة.. فرغم إيماني الشديد بضرورة تفرغ الأم لأبنائها خاصة في مرحلة الطفولة و مصاحبتها لهم في مرحلة المراهقة .. إلا أني أتفهم أحيانا أنه لكل قاعدة استثناء يثبتها و لا ينفيها .. فمنذ أسبوع، قدم "برنامج العاشرة مساء" نموذج للمرأة الأرملة التي اضطرت للعمل فترتين صباحا و مساء لتعليم الأبناء و كفاية طلباتهم.. و رغم غياب الأم شبه الكلي عن البيت إلا أن أبنائها حضروا جميعا لتكريمها و للإشادة بها .. مؤكدين أنها كانت دائما موجودة بروحها و كيانها معهم.. فهي هناك.. لكنها تعمل لإعالتهم .. تعمل لتحققهم .. تعمل من أجلهم.. و قضية تحقيق ذاتها تتحقق لها في النهاية بنجاحها في الوفاء بمسئوليتها .. هي أم تدرك حقيقة الأمانة الموضوعة على عاتقها .. و تكون النتيجة هي تقبل و تفهم الأبناء لضرورة غياب الأم عنهم كما يكون أي تقدير معنوي أو مادي لا يفيها حقها .. خاصة أنها هي بذاتها قيمة ..هي بذاتها حق و حقيقة.. هي بعظمتها تضيف بعداً إنسانيا و حضاريا في حياة الأبناء فيشعرون أن الله قد منحهم صرحا أعظم من الأهرامات .. و أخلد.. بكل ما تبذله لهم و لذريتهم من بعد.. بل إن الأهرامات تصبح بجانبها أحجار صماء!
لقد بكيت عيني حينما سمعت الأم تقول بكلمات صادقة للغاية : " أنا ما كنتش بافكر في لبس و لا فسح و لا خروج .. أنا ما كنتش بافكر غير أني أربيهم بما يرضي الله "
وإن نسيت فلن أنس- يا نهى - حديث إحدى زميلاتي حينما قصت لي رحلة كفاح أمها بعد وفاة الأب.. و كيف كانت تحرص على إطعامهم أفضل ما لديها من الطعام قبل قيامهم بزيارة أحد الأقارب سواء من جانب الأب أو من جانب الأم.. حرصا منها على أن تظهر أبنائها بمظهر طيب و لتثبت أنها قادرة على إشباع احتياجات أبنائها.. و أنها لا تزور لتطلب و لكن تزور للود فحسب.

هكذا أم- يا نهى - ترسخ مفهوم الكرامة بأغلى معانيه رغم ضيق ذات اليد و رغم رحلة الكفاح المضنية .. كما حرصت أم زميلتي على أن تؤكد للأبناء أن رغبتهاها في عدم الزواج ثانية و التفرغ للعمل على تربيتهم إنما هو خيار لها نابع من رغبتها هي و طبيعة إمكاناتها و قدراتها .. و لم تقلل يوم من شأن أرملة أخرى اختارت الزواج و قامت بتربية أبنائها .. بل كانت تؤكد على أن المهم هو أن يكون الإختيار صائب.. فالسيدة لم تشوه صور نظرائها من الأرامل إذا كان لهن خيار آخر.. كما لم تمنع حقا و لم تحرم حلالاً و لم ترسخ صورة زوج الأب "الشاروني" .. بل رسخت قيمة قدرة الإنسان على تخطي كل الصعاب إذا أحسن الاختيار و تحمل المسئولية.

و إذا قارنا بينها و بين أم ليست موظفة و متفرغة لبيتها و أبنائها و لكنها "الحاضر الغائب" تعيش حياتها على التليفون.. تقتل الوقت سفاحاً في السؤال عن فلانة و علانة و ترتانة .. مولعة بالقيام بدور المستشارة المجانية.. تحضر الطعام بملل و تعيش الحياة آسفة على ما راح من عمرها هباء في البيت رغم أنها كانت تستطيع لو أتيحت لها الفرصة أن تكون سيدة مجتمع بارزة في مجال ما !!
أم لا تقدر ذاتها ووضعها إلا إذا خرجت من البيت و ارتدت "التايير الكلاسيك" و الحذاء الإنجليزي .. و تعود للبيت و تقوم بكل واجبتها بقرف و كراهة.. تبحث عن "فرصة منكرة" بدون "ال".. فأي رحلة تعتبر فرصة و أي ملابس و لو قديمة و مستعملة تعتبر فرصة و أي هدايا تأخذها ممن كان .. حتى لو دفع الأبناء ثمن هذه الهدايا من شرفهم و كرامتهم.. أيضا تعد فرصة لا بد أن تقتنص!
مجرد .. أم!

- أم معذورة نوعا و قد تكون مجبورة حتماً .. لأن المجتمع يهمش دورها الجوهري في الحياة فهي تسمع زوجها و أبناها يقولون : " ماما لا تعمل .. قاعدة في البيت ما بتشتغلش".. رغم أنها مفحوتة.. و تعمل 24 ساعة يوميا .. بدون أجازات أو راتب أو حوافز أو حتى مكافئة شهرية.. و كأن ما تقوم به يدخل في باب لعب "السيجا "أو "أوتوبيس كومبليه" !!

أم معذورة لأنها تسمع يوميا وسائل الإعلام تشيد بالدكتورة فلانة و المهندسة علانة و الفنانة ترتانة التي لم تكن مجرد أم فحسب .. بل كانت ثم أصبحت و لن تمسي لأن التاريخ لن ينسى الممثلات..
فهن من يحصدن من الجوائز أموالاً و من محبة الناس أرطالاً..
أعلام المجتمع يحصدون الأكاليل و الورود .. بينما هي عليها أن تقنع بشوك الحقول!
شهيرات المجتمع و نجماته نجحن في لعب دور المرأة الخارقة.. نجاح في البيت و نجاح في تربية الأبناء و نجاح في إرضاء الزوج و نجاح في المحافظة على رشاقتهن و جمالهن .. و نجاح خارج البيت في تحقيق رسالتهن تجاه المجتمع!
- كيف لأم تعاني من هكذا ضغوط أن تفك هذه الطلاسم و تحل هذه المعادلات المستحيلة ؟ كيف لها أن ترضي الجميع و تأمن غدر تقلبات الأحوال و هي ترى شقيقاتها و جاراتها و صديقاتها و قد أخذن مقلب العمر و بعد 30 سنة زواج و تفاني ثم " أويت"
ًOut
برة .. و معاش مبكر غير مدفوع الأجر ..أو :" إتفضلي المؤخر بتاعك على داير المليم- و قيمته 500 جنيه كما كتب في العقد من ثلاثين عاماً "
طبعا لن تفكر الدولة في ضرورة أن يتم كتابة الديون بما يساويه من جنيهات ذهبية .. ما يعني أن هذه الأم المطلقة العجوز ستتحصل على 500 جنيه – بقضايا أو بدون- لا تكفي لشراء جاكت عدلة ، ومش هنقول تايير كامل !!
- كيف لها ألا تتشوش و تلتبس و هي تسمع حماتها تحرض إبنتها بضرورة الإستمرار في الوظيفة عشان الزمن مش مضمون مع تأييد من زوجها .. ثم تنظر لذاتها فتجد أنها في مهب الريح ؟!
- كيف لمجتمع يرتضي أن يستنزف جهد سيدة طوال عمر كامل تعمل و تحمل و تلد و ترضع و تربي و ترعى و تلبي احتياجات أسرة كاملة .. ثم لا يكون لها راتب شهري أو معاش من الدولة.. مثلها مثل التي تعمل ثمان ساعات يومياً فقط !! .. و من يستطيع منع سيدة من حقها في محاولة الجمع بين العملين داخل و خارج البيت .. حتى لو " طلسأت" لتكون قادرة على حماية نفسها يوم تقلب القلوب و الأحوال و الأوضاع؟!

قد يصير الشوك إكليلا لملك أو نبي
و يصير الورد في عروة لص أو بغي
أيغار الشوك في الحقل من الزهر الجني؟
أم ترى يحسبه أحقر منه؟
لست أدري؟
طلاسم ( أبو ماضي)

جني الثمار
لكن ما ذنب الأبناء؟
-ألا توافقيني - يا نهى- أن الأبناء يفهمون أو سيأتي يوماً سيفهمون فيه حقيقة الأوضاع و يجيدون التفريق بين من هو مهموم بتفاصيل تربيتهم وبين من يمنحهم فتات وقته؟
بين الأم التي تبتسم رغم إرهاقها و تعبها و بين الأم التي تضحك ساخرة من أقدارها!
ألا تتفقين معي أن المشكلة ليست في هجر الأم للأبناء للعمل أو المكوث في البيت؟ فالقضية مثلها مثل طالب جالس على المكتب ساعات و ساعات دون تركيز أو تحصيل و النتيجة الحتمية هي رسوبه بامتياز مع مرتبة الهوان الكبرى..
كذلك أب يمنح فتات وقته لأبنائه دون تركيز أو رغبة في مشاركتهم الحياة و التربية.. فيكون الناتج التربوي مخزي للغاية!! و المفزع أن تجدي الأب أو الأم يزهوان بأنهما أنجبا للمجتمع مهندس و طبيب أو محامي و محاسب أو حتى لعيب ! فالإنجاز لديهم يساوي مهنة معينة .. بغض النظر عن نوعية هذا الطبيب هل هو مجدي يعقوب أم طبيب ترقيع بكارة!!
هل هو ضابط شرطة يضع نصب عينه أمن المواطن أم شرطي حاصل على دورات تدريبية في التعذيب من معتقل جوانتنامو؟
محامي كفريد الديب أم محامي خلع!
مخرج كالعقاد .. صنع رائعة "عم المختار" أم مخرج " تجيبها كده .. تجيلها كده.. هي كده.." أو العسكري شبراوي"؟
فالحرص على نوعية المنتج التربوي لا وجود له في ثقافتنا التربوية- إلا من رحمه ربي-.. بل تجدي الأبوين يلهثان حتى يقوما بتخريج الأبناء من المدرسة أو الجامعة ثم يزوجان البنات .. بعدها يتنفسان الصعداء و يتمنيان لو أنه تم استضافتهما في أحد البرامج " التوك شو" ليعلنا على الملأ أنهما الحمد لله قد أديا رسالتهما و ربوا و كبروا و تعبوا..
:"وعندي سمير .. طلعته دكتور أد الدنيا.. أما عاتشيف صمم على الهندسة فوقفت جنبه لغاية ما توظف في شركة كبيرة.. وحبيبي علاء دخلته الشرطة - ما شاء الله- بقه حاجة تشرح .. و هدى .. دي أخر العنقود.. خرجتها من فنون تطبيقية- ما شغلتهاش- توء توء توء .. قعدتها في البيت و جهزتها وجوزتها و سترتها .. و الحمد لله أدينا مهمتنا و مش عايزين حاجة من حد".. مع تلميح غير مباشر للأبناء أنهم في انتظار مرحلة جني الثمار! رغم أنهما لن يجنيان سوى ما غرست يداهما !

" الناسكة .. أم المشايخ "
نهى:

القضية ليست منح الأبناء الحياة في العشوائيات أو أفخم البنايات.. فمنذ يومين شاهدت في أحد الفضائيات طفلة لا يتعدى عمرها ثمان سنوات .. و قد اصطحبتها أمها لبرنامج" 90 دقيقة" لتحكي مأساتها..عل البنت تحصل على حقها.. فخال البنت قد رآها تمشي في الشارع عائدة للبيت .. فقال لها تعالي اشتري لك حلوى وأخذها للترب و نزل بها في إحدى هذه الترب و أمرها بخلع سروالها و قام باغتصابها .. و قد روت الطفلة الواقعة بمصطلحات حقيقية تفصيلية و طفولية عشوائية - أنا عن نفسي لا أجرؤ على مجرد ترديدها- لكني أستطيع التغاضي عن الكثير من المفردات و ذكر قليل مما ورد على لسان الطفلة الصغيرة .. فكلما حاولت الصغيرة الصراخ .. شرع خالها في ضرب رأسها في حائط التربة ضربا مبرحاً.. ثم فعل ما أراد عدة مرات ثم خرج بها من التربة و رماها في الشارع لتلتقطها سيدة من المارة فتنقلها للمستشفى في حالة يرثى لها!!
فقامت الأم الفقيرة الأمية الجاهلة المعدمة و التي تعيش في بيئة عشوائية.. و التي لم تحظ لا بتعليم أو سواه.. بأخذ ابنتها و الذهاب بها لوسائل الإعلام كي تحرك الرأي العام والداخلية للقبض على هذا الأخ المجرم.

- مرة أخرى أجدني مولعة أو مضطرة لإستخدام المقارنة - يا نهى- بين هكذا أم و بين أخرى تحدثت ابنتها لبرنامج " قلبي معك" مع الدكتورة عبلة .. لتخبرها بأن أمها سيدة الصالون المدعية ثقافة و علم و دين .. باعتها شر بيعة.. بثمن بخس .. فعندما صارحت الابنة أمها أن الخال قد تحرش بها.. طالبتها الأم بتكتم الموضوع و تسترت على الجاني .. و طبعت مع الخال وكأن شيئا لم يكن .. و كلما فاتحت الابنة الأم بمعاناتها .. تفاجأ الإبنة بموقف الأم المتأفف و الذي يريد أن ينهي حديث الذكريات الذي لا داعي له!
وتقول: ننسى بقه .. بصى لقدام .. المستقبل أمامك كبير.. و أنت لسة صغيرة و إن شاء الله يجيلك بن الحلال .. أو معلش يا بنتي .. ربنا شاهد و مطلع .. نسيب خالك للزمن .. ربنا يمهل و لا يهمل .. لكن في الأول و الأخير .. هو أخويا .. ووالدي قبل ما أموت موصيني على أخويا!
و البنت تؤكد - في مداخلتها- أنها لا تطيق الأم أكثر من الخال و تراها أكثر جرماً منه لأن الله لم يغرس في الخال غريزة الأمومة..
و قالت: ربنا ما بيوصيش الأم على أولادها لأنه واضع فيها غريزة الأمومة ..لكن يا ريت جدي كان افتكر يوصي أمي على أولادها علشان ما تذبحينيش كده و ما تدوسش عليا كده و ما تفعصينش بالشكل ده.. بتسترها على جريمة أخوها.. و مش أي جريمة !

و الغريب- يا نهى -إن البنت فكرت في حاجة غريبة
و قالت للدكتورة عبلة: أنأ متأكدة أن لو كان عمي هو اللي تحرش بي .. كانت أمي هاجت و عملت عمايل.. و ضربت عصفورين بحجر واحد.. منها تدافع عن حق ضناها .. و منها تتخلص و للأبد من أقارب زوجها أو أعدائها!! تخيلي يا دكتنورة .. ماما تقول لي: صدقيني أنت فاهمة غلط يا بنتي .. و عموماً خالك تحرش بك فقط وما حصلش حاجة!!
يعني يا دكتورة مش عايزاني أكبر الموضع.. المشكلة انها مش قادرة تقتنع أني مستبشعة جريمتها في حقي أكثر من جريمة خالي.. و بأندهش جداً لما تقولي "سيبي خالك للزمن"!
و ظلت المسكينة تشتكي للدكتورة عبلة وتقول لها : تخيلي يا دكتورة أمي لما نكون وحدنا تبكي و تستعطفني و تقول: أنت مش هتنسي بقه .. إيه القسوة اللي بقيتي فيها دي يا بنتي .. لكن أمام أخوها.. معاملة مختلفة تماما و تعزمه و تعامله أحسن معاملة و تبديه عليا !
و ختمت مداخلتها: كان نفسي أمي تعرف إني بأتألم كل لما أشوفها فرحانة و هي بتهاديني أي هدية و فاكرة أن المال والهدايا تعوضني .. باكون خزيانة وأنا شايفاها بتقبل أي زبالة من خالي لأني عارفة إن ده ثمن شرفي و دموعي و معاناتي .. نفسي أمي تعرف أن مهما حاولت أبرها و أراضيها.. بأستغرب أنها مصدقة إن الموضوع ده من قلبي .. مش مجرد تنفيذ لأوامر ربنا ومجاهدة لنفسي .. نفسي أمي تتألم لأنها سبب صراخي الليلي و عذابي النفسي !! لكن المشكلة يا دكتورة إن أمي بتتعامل معايا و كأن شيئاً لم يكن .. رغم إن تسترها على جريمة أخوها .. جعله يتمادى و أخذ باقي اخواتي البنات وش .. و هي على ما هي عليه من التستر.
يا ماما عبلة .. لو ما كانتش أمي من النوع اللي كل ساعة تقول : "قال الله و قال الرسول" و عايشة دور الناسكة المتبتلة أو أم المشايخ :" و إيه اللي أنتم عاملينه في حواجبكم ده يا بنات.. التنميص و المكياج حرام يا حلويين و القصير ما يصحش يا أطاإيط .." كان الموضوع يكون عندي أهون.. لكن دي أم عيشتنا كذبة كبيرة و المصيبة إنها صدقت نفسها و كمان مطلوب مني أصدقها و أبرها..

قد دخلت الدير أستنطق فيه الناسكينا
فإذا القوم من الحيرة مثلي باهتونا
غلب اليأس عليهم فهم مستسلمونا
وإذا الباب مكتوب عليه :
لست أدري
طلاسم ( أبو ماضي)


ترى يا نهى .. كيف سترى كل من هاتين الفتاتين صورة الأم بعد عقدين من الزمان؟
نفس الموقف و ذات الجريمة و لكن التعاطي مختلف تماما.
أم تعامت عن معاناة ابنتها و تسترت على جريمة الأخ .. فتمادى في جرائمه مع باقي بناتها. . و أخرى لم تفكر .. لا في أخ و لا في سواه .. إذا تعلق الموضوع بشرف أبنائها!
الغريب يا نها أن معنى الشرف قد تقلص لدى مجتمعاتنا حتى قال علاء الأسواني على لسان إحدى بطلات "عمارة يعقوبيان" لإبنتها ا:" كل واحد مسئول عن سوستة بنطلونه !" فصرنا نرى عدداً لا بأس به في المجتمع لا يرى إنتهاكاً للشرف إلا بعملية الإيلاج أو القذف.. بل لقد أصبح المجتمع لا يجرم الفعلة إلا بحدوث الحمل السفاح !!!!
باقي الاسطوانة المملة و المخزية ! فالتقبيل و على الملأ.. فن.. والنوم في فراش واحد و المضاجعة .. إبداع لابد منه لحبكة السيناريو.. و و و و ...

" قول أنا نجوى .. قول أنا عيشة .. قول أنا لولا "

ألم أقل لك - يا نهى- أن الأمر نسبي ..ألم أقل أن التربية صارت أصعب الفنون و العلوم والمهارات؟
ألم أقل أنه شتان بين التربية و إدارة حضانات الأطفال أو إدارة المدارس النموذجية أو رئاسة الجامعات أو حتى تولي حقيبة وزارة التربية و التعليم!!
إن إحتياج الأبناء للقدوة من جانب الأهل كإحتياج الرضيع لحليب أمه.
و لك أن تتخيلي - يا نهى - أنه رغم إدراك الأبناء للطبيعة البشرية للأهل و رغم عدم مطالبتهم بقديسات أو ملائكة في صورة أب أو أم .. و رغم قدرة الأبناء على تناسي أخطاء كثيرة للآباء حتى لو زنوا أو سرقوا أو كذبوا .. إلا أنهم لا يغفرون عقوق الآباء .. و لا يتعامون عن غياب القدوة .. فلا يستطيع ابن غض الطرف عن كون والده أحد رجال الدين أو أحد قراء القرآن .. إذا أقام علاقة محرمة بورقة بدعوى أن هذا زواج عرفي.
إن الأبناء يدركون الطبيعة البشرية لذويهم فيغفرون و يتعامون عن معظم أخطائهم إلا إذا قام أحد الأبوين بنسيان دوره !!
بل- يا نهى - فالأبناء لا يقبلون أن يروا أحد أفضل منهم في الحياة سوى أبائهم و أمهاتهم .. تماما كما لا يقبل الأب أن يرى من هو أفضل منه سوى ابنه.. و يظل الإبن يمجد في والده و الإبنة تزهو بأمها .. لأنهم يفخرون بأساسهم و جذورهم.. و كأنهم يقولون إذا كانت جذورنا طيبة.. فهذا يعني أننا ثمار طيبة.
لذلك فمن الصعوبة بمكان أن يفقد الابن إنبهاره بوالده القدوة إلا إذا لم يهتم الأب بدوره كقدوة فعلية في حياة أبناؤه..
و خطوة فقدان الانبهار إذا لم يتم تداركها سريعا .. تليها خطوة فقدان الاحترام .. ثم تتبعها خطوة فقدان الحب.. حتى يصل الابن للخطوة المدمرة و التي لا يكترث فيها أيهما يدمر.. نفسه أم والديه .. و هذه الخطوة تأتي عندما يصل الابن لمرحلة تمنى الانتقام من والديه اللذان أهملا رعايته و تنشئته و إحتضانه و تقويمه و تربيته.. حتى لو دمر نفسه إنتقاماً منهما.
إن الأبناء يدركون جيداً قيمة الأبوين الصالحين في الحياة .. لكن مقدار بر الإبن لوالديه لن يتحقق بقدرة الأبوين أو أحدهما على المزايدة على مكانته المحفوظة بالدين .. فلا نتوقع ابن مثالي- يا نهى- من أم " نص كم" أو "أب كليشنكان" .. لم يهتما سوى بشكليات التربية و مظاهرها..
فكما أن الغالي ثمنه فيه.. فإنفاق الأبوين كل غال من وقت و صبر و مال و حوار و مشاعر على الأبناء.. سيدر عليهم لاحقاً أبناء بررة لهم قيمة .. لكن عبثا لو حاولت أم بتذكير أبنائها بأفضالها عليهم.. و أذكر أني سمعت هذا الحديث بين أم و إبنتها بأذني:-
: أرجوكي ما تتأخريش يا حبيبتي .. عندنا ضيوف على العشاء
: و أنا مالي "مام" بضيوف حضرتك.. أنا عندي كلاسات و بعدها عندي" ريسرش" في المكتبة و بعدين خارجة مع أصحابي .
: يعني عمري ما أطلب منك طلب و تنفيذيه!
: مام .. ليه الكلام ده؟! أنا مشغولة جداً و حضرتك عارفة إن السيمستر ده صعب .. أه.. قبل ما أنسى ..ابقي ابعتي أي حد يجدد لي رخصة العربية .
: يعني ما بتفتكرنيش غير لما تكوني محتاجة حاجة!
: اه . مام هتبتدي
: هابتدي..عيب يا بنت.. لكن لازم يكون عندك دم.. أنا اللي دخلتك الجامعة الأمريكية و أنا اللي جيبتلك "اللكزس" اللي بتتتفشخري بها و أنت رايحة الجامعة.. و أنا اللي شريت لك المحمول وأنا اللي بأدفع لك فواتيره اللي بالألفات- و يا ريتك بتردي عليه لما بتشوفي نمرتي - وأنا اللي مطلوب مني أجدد لك الرخص .. و أنا اللي مفروض عليا اشتري لبسك" السينيه".. و بتيجي.. تلاقي أكلك جاهز و هدومك نظيفة و مكوية .. و مع ذلك عمرك ما فكرتي في احتياجات أمك.. يا بنتي أنا ليا أفضال عليك كتير و أنت فاكرة الموضوع حق مكتسب.

: مام .. يعني حضرتك بتمني عليا إنك خلفتيني و بتصرفي عليا.. طب ما أنا ما عنديش إمكانيات للصرف على نفسي .. و أكيد جدي و جدتي صرفوا علي حضرتك .. و أكيد أنا كمان هاصرف على أولادي .. لكن أنا فعلاً مشغولة.. لأني لازم أنجح في حياتي و محتاجة دعمك في المرحلة دي.. و أنا مقدرة جدا إنك " مام" و إنك تعبت في ولادتي و في تربيتي و في صرفك عليا .. و معترفة إن حضرتك قيمة كبيرة في حياتي.. لكن لما بتفكريني كل يوم انك بتصرفي و بتعملي و بتضحي .. فده بيضعني في موقف دفاع .. و باضطر أقول لحضرتك إن أنا كمان قيمة مهمة جدا في حياتك..

و أعتقد إن حضرتك بنفسك قلتي لي.. إنك كنت مرعوبة لما عشت أول خمس سنين في حياتك بدون إنجاب .. و إن مجرد حملك فيا قوي وضعك عند أسرة بابا الله يرحمه .. و إن ولادتي كانت بمثابة شهادة ميلاد ثانية لحضرتك و شهادة براءة لك من العقم .. و بولادة أخويا.. حصلت حضرتك على شهادة تثبت إمتلاكك لكل ميراث بابا..
مام.. حضرتك ياما قلتي لي على العذاب اللي كنت بتعانيه قبل الإنجاب سواء من تعليقات الناس غرب و قرب.. أو من تهديد وضعك كزوجة .. و قلتي لي إنه شتان لما كنت تزوري أهل بابا قبل الإنجاب و لما بدأت تزوريهم و أنت شايلاني .. و أعتقد إن ده معناه ان وجودي في حياتك أعطاك شهادات كتيرة و قوة كبيرة و معنى و قيمة أكبر حتى على المستوى المادي.. ده غير فرحة الأمومة و فرحة الرضاعة و فرحة خروجك و أنت شايلاني و أكنك ماسكة الدنيا كلها في إيدك .. فأرجو من حضرتك تقدير أني بحاجة لشهادة واحدة من الجامعة مهمة لمستقبلي العملي لأني مش متجوزة و مش ناوية أتجوز .. و يا ريت لما تحبي تطلب مني أي حاجة ما تسمعنيش موشح" المن" بتاع جيبتلك وعملتلك.. لأني و الله نفسي أجيب لحضرتك و أعمل لحضرتك أنا كمان.. لكن مش بإيدي.. و نفسي أتخرج و يكون ليا مركز عشان لما أكبر تقدري تتسندي عليا ! وعلى فكرة حضرتك تعبتي في ولادتي و تربيتي و رعايتي .. لأن ربنا وضع فيك غريزة الأمومة.. و لو كان الموضوع طيبة قلب من حضرتك و كرم .. فليه حضرتك ما صرفتيش و ما ربتيش أطفال أيتام وأعدادهم بالملايين؟! فالموضوع
: الموضوع يا بنتي أني يظهر ما عرفتش أربيكي .. أنا قضيت عمري أحميكي و منعت أي مخلوق إنه يؤذيكي .. و النهاردة .. عندي يقين إنك مش ليا .. مش بنتي .. مش البذرة اللي زرعتها و رويتها .. لكن عمري ما هاجني ثمارها.
رب بستان قضيت العمر أحمي شجره
و منعت الناس أن تقطف منه زهره
جاءت الأطيار في الفجر فناشت ثمره
ألأطيار السما.. البستان أم لي؟
لست أدري
طلاسم ( أبو ماضي)

بصراحة - يا نهى - استفزني كلام البنت و خفت أمها تغضب عليها جامد و في ساعة زعل تدعي عليها فتدخلت وقلت للبنت
: يعني أولاً.. نبرة صوتك فيها لا مبالاة و مش عايزة أستخدم لفظ عقوق .. و لو أن النبرة نفسها هنتحاسب عليها .. لكن اسمعيني.. لو فعلا الموضوع مجرد غريزة في كل أم .. تقدري تفسري لي وجود أعداد ملايين الأيتام و اللقطاء في مصر و العالم .. تقدري تنكري إن ألاف الأمهات رموا أولادهم في أقذرها صناديق زبالة !! أو قتلوهم و أجهضوهم بعمليات "أبورشن"!! تقدري تفسري آلاف حالات الطعن و إنكار النسب اللي بيرفعها الأباء ضد أبنائهم؟!!

مش- لسة- أنت حاكيالنا عن الأب النمساوي اللي حجز بنته في قبو لمدة 24 سنة و فضل يغتصب فيها و خلف منها سبعة سفاح ؟ مش الصحف بعدها بأسبوع واحد نشرت جريمة مماثلة لأب فرنسي عمل نفس الموضوع في بنته لمدة 28 سنة؟!
المشكلة انك معتقدة إن والدتك مكسب طبيعي أو قضية مسلم بها.. لا ميزة فيها و لا فضل و لا نعمة من ربنا.. لأنها تفعل كل ما تفعل بناء على غريزة مزروعة فيها .. و مش قادرة تفرقي إن الموضوع مش لقب أم لكن في نوعية هذه الأم .. و ثقي إنك في يوم من الأيام هتتأكدي إن اعتقادك خاطئ تماما .. و الدليل على كلامي .. إن لولا فضل ربنا عليك .. كنت زمانك بنت يتيمة بيحتفلوا بك أول جمعة من كل إبريل مرة واحدة فقط كل سنة .. فقط لا غير !!
كنت ممكن تكوني بنت واحدة رميتك أمام جامع أو ملجأ .. و من عالم ! يمكن كنت تجدي مصور يجد وجهك بائس فيصورك و تطلعي في إعلانات التلفزيون تستطعفي القلوب الرحيمة للتبرع لك و التفكير فيك و في أمثالك و لو مرة في السنة .. و كنت ساعتها مش هتركبي غير سيارة التلفزيون اللي هتصورك و هتتعلمي - لو اتعلمتي - في مشغل تريكو بكتيره !
و أخوكي اللي أنت فخورة إنه ظابط شرطة و حاصل على ماجستير في القانون الدولي.. كان ممكن - لولا فضل الله- اللي وضعه أمانة في يد إنسانة فاضلة ذي والدتك .. كان ممكن يكون بن بيئة فقيرة معدمة .. بيشتغل في جراج أو أرزقي بيبيع " كلينكس" في الشوارع.. و أي ظابط بوليس -سادي- ممكن يأخده تحري و يمارس عليه جنون العظمة و يركعه و يجبره و يقول له :" قول أنا نجوى .. قول أنا عيشة .. قول أنا لولا " لإذلاله .. أنت مش مقدرة قيمة أم توفر لأبنائها عيشة كريمة و بيئة آمنة ..
و بعدين أنت معتقدة إن أي واحد يقوم بزيارة لملجأ أيتام .. بيكون دافعه الوحيد هو كفالة الأيتام كده لله في لله؟ ما ممكن تجدي واحدة أو واحد عقيم .. فيروح أي ملجأ و ينقي له طفل أو طفلة حلوة .. منها ينفي عن نفسه أمام العالم سبة العقم و منها يمارس أبوته و مراته تمارس أمومتها.. و عمره ما هيفكر في قضية التلاعب بالأنساب .. و بعدين يعيشوا الكذبة و يصدقوا نفسهم .. بذمتك لو عرفتي أن في ناس بالشكل ده.. تقدري تقولي إنهم عملوا كده من منطلق لهفتهم على تربية الأيتام؟.. طب ما كان ممكن يكفلوهم بدون تلاعب في الأنساب.. مش ساعتها ممكن تقدري والدتك مليون مرة اكتر .. كمان كان ...
: كفاية يا داليا .. خليها تمشي و تغور .. مش عايزة أشوفها دلوقتي .. و عموما أنا اللي رافضة تقابلي ضويفي.. و يا ريت تيجي و تدخلي على أوضتك و مش عايزة اشوف وشك الفترة اللي جاية دي خالص
: مام أنا آسفة
: لا مام و لاداد.. أرجوكي كفاية.. ده الواحد لو كان مربي كلب و لا قطة كان يبقى أحسن له.. أنا محتاجة وقت أراجع فيه نفسي و أراجع فيه تربيتي لك!

نهى:
مهما حرص أولياء الأمور على تشكيل الأبناء في الصغر .. فإنه تجد في الأمور أمور و تتضح الرؤية و لو بعد حين .. و في النهاية لن يصح إلا الصحيح.

ملحد سبعيني!!

و سأستشهد لك - يا نهى- بقصة ملحد سبعيني قابلته في يوم ما !!
فرغم أن والدتي - أمد الله لها في العمر و الصحة - كانت تروي لنا و نحن صغار ضمن ما تروي.. قصصا عن سندريلا و الأميرة و الأقزام السبعة .. إلا انها كان تنوع في حكايات قبل النوم.. و كثيرا ما كانت تقص علينا حكايات دينية سواء قصة سيدنا موسى أو سيدنا عيسى أو قصة غزوة بدر و أحد.. كما حكت لنا عن "اليهود و الكفار و قوم سيدنا لوط " و كانت حكايات والدتي بالكيفية التي روتها لنا في الصغر عن هؤلاء الثلاث تحديداً.. تجعلني أضعهم في خانة" الغول و العنقاء و الخل الوفي" أي أني كنت متيقنة أن الصهاينة اليهود و الكفار الملحدين و الشواذ المزدوجين هم ثلاث مستحيلات لن تضعني الحياة وجها لوجه معهم أبداً.
و دارت الأيام.. و أجادت علي الدنيا بكرمها .. فرأيت الثلاث.. رغم أنني كنت معتقدة أن الموضوع لن يخرج في حقيقته عن كونه قصصاً و حكايات لأمي قبل النوم .. أو دروس في المدرسة عن بعض الشعراء الشواذ أمثال الفرنسي "رامبوه"..
لكني في سيناء ..قابلت صهاينة يهود .. بشر مثلي و مثلك -يا نهى- يتمتعون بشمس دهب و يصطافون على شواطئ خليج نعمة في شرم الشيخ .. يبتسمون لك و يقيمون في نفس الفنادق التي نقيم فيها و يتبضعون من نفس الأسواق و ينطقون ب" شينهم لا ب ضادنا" .. و كانت أول صدمة !!
ثم تلتها صدمة مقابلتي للشواذ !! و ما أكثرهم الآن .. تصطدمين بهم في مصاعد" السيتي سنتر " و يضحكون منك إذا لمحوا هيئتك و أنت فاغرة فاهك من الدهشة عندما تشاهديهم رأي العين المجردة.. فتلمحين الأصباغ على الشفاه و الوجنات و الجفون و تعرفينهم من حركاتهم ومشيتهم و من ملابسهم المزدوجة و من القرط المنفرد الذي يرتدونه في إحدى الأذنين..
يا نهى:
"الشواذ و الملحدين و الصهاينة" كثروا جدا في بلادنا و إنتشروا.. لقد خرجوا من جحورهم.. خرجوا في الصباح .. في ضوء النهار .. مجاهرين بشذوذهم و إلحادهم و صهيونيتهم.. تستضيفهم الفضائيات و و تقدمهم كليبراليين تقدميين أو مفكرين و مبدعين ...
و كنت في طفولتي شاهدة على خلاف فكري بين والدي ووالدتي فيما يتعلق بما كانت تسميه أمي بعدم أحقيتنا بإصدار أحكام على الأشخاص فيما يتعلق بمعتقداتهم .. فلا يحق لأي مخلوق مهما كان أن يدعي أن فلان هذا ملحد مهما كان الأمر.
و كان والدي مختلف نوعا معها في الرأي فيقول لها ما معناه: "إن معرفة الشر و الأشرار ضرورة حتمية لإتقاء شرورهم.. ثم أنه لا تتوقعي أن يأتي فلان و يقول لك جهارا نهارا: لقد صبئت عن دين أجدادي و كفرت بالذي نزل على محمد.. نعم لا يحق لنا أن نكفر إنسان .. و الله وحده هو الذي يحاسب و لكن من الضروري ألا نتعامى عن الحقائق و الشواهد .. فحينما يلمح أحدهم في معرض كلامه .. أن هذه الدنيا قد خلقت صدفة و أنه لا حساب و لا عقاب و لا ثواب و لا آخرة و موضوع الجنة و النار ما هو إلا فكرة مخيفة لممارسة القمع على الشعوب .. و أن " شوية الرسل " دول ما هم إلا مبدعين و مفكرين بل و عباقرة استطاعوا خداع العامة .. فهنا لابد أن ندرك أننا أمام ملحد حتى لو كان كلامه " جس نبض" قام بعدها بتغييره كنوع من أنواع "التقية " الذي يستخدمها الشيعة للتعايش في مجتمعات السنة !

و رغم هذا الخلاف الذي كان يثريني فكرياً إلا أني يا نهى.. كنت معتقدة أني -أبدا - لن أقابل ملحداً في حياتي خاصة لو كان عربياً..
و قابلته!!
ملحد سبعيني يكرر نفس الديباجة .. و يستخدم نفس مفردات " الصدفة " الرسل شوية مبدعين عباقرة .. الدين أفيون الشعوب .. هتاخدم مقلب العمر لما تموتوا .. و لا في حساب و لا يحزنون.. و كل اللي نابكم شوية الحركات اللي بتعملوها و انتم بتصلوا.
: يا ستااااااااار .. يا حفيظ .. لا حول و لا قوة الا بالله!

و العجيب يا نهى أن هذا الملحد السبعيني عندما رأي علامات الخوف و الفزع في عيني حينما صرح بإلحاده
قال: بالك يا داليا .. المرة لوحيدة اللي تمنيت فيها أن أكون غلطان و أن الموضوع ما يكونش صدفة و أن فعلا يكون في إله لهذا الكون ذي ما بتقولوا .. و أن يكون في جهنم و عذاب قبر و ثعبان أقرع و خزعبلات من دي.. عارفة إمتى؟ لما تخيلت جدتي - والدة والدي - في جهنم!
مالك ساكتة ليه؟ ما بتعلقيش .. خايفة؟ أنا أقلك :
أصل ما يغركيش شيبتي و أفكاري.. ده في ناس ذيي كتير .. مفكرين و مشاهير و رواد ..
.. يا داليا .. أنا في يوم من الأيام كنت طفل رضيع .. لكن كنت يتيم .. والدي مات قبل ولادتي .. فوعيت على الدنيا .. ووجدت نفسي في بيت جدتي ..عايش معاها عيشة فل.. آخر دلع و منجهة.. و كانت تضع أمامي كيلو موز أكله لوحدي .. و بعدين تضمني لحضنها و تقول لي
: يا حبيبي .. يا ضنايا .. تعالى في حضن جدتك يا غالي .. يا بن الغالي .. هو لك حضن غيره! أمك بنت ال.. زمانها نايمة في حضن رجل غريب .. ما صدقت أبوك مات من هنا .. و رمتك رمية الكلاب.. لكن أوعى تخاف يا نور عيني .. أنا هاربيك و أعلمك و أكبرك وأعملك كل اللي نفس فيه.. يا غالي .. يا ضي عنيا .. و إياك تفكر لحظة في الملعونة اللي جريت لراجل تاني و نايمة معاه و سابتك و أنت لحمة حمرا.
: و هو ده مبرر لإلحادك ؟!
:إلحاد إيه و بتاع إيه.. يعني هي كانت جدتي عندها ذرة دين .. دي الست بجبروتها جمعت كل طاقتها عشان تغرس فيا أكبر قدر من الكراهية لأمي و أهل أمي ..عموما أنت بتقولي عليا ملحد و كافر و زنديق..
: هو نا اللي باقول .. ما أنت نفسك مجاهر .. هو يعني أنت بتنكر إلحادك؟

: يا بنتي .. ما الولية كانت بتصلي .. و لابسة البرقع و البيشة .. ولا ترى رجلا و لا يراها رجل .. و عايشة في عزلة في دور التقية الورعة .. لكن عمرها ما اهتمت أنها تحببني في ربنا و لا تعرفني عليه .. لكن كان همها الحقيقي.. أنها تكرهني في أمي و تبعدني عنها و تبعدها عني و تفرق ما بيننا.... كانت بتعمل نسك و عبادات و حركات مفصولة عن الواقع .. ما كانت السبحة في إيدها ليل نهار و مع ذلك شغالة حقن و توقيع .. أنت عارفة.. بيت ستي.. تدخليه .. تحسي نفسك في صومعة .. بخور و أرابيسك و سجادة الصلاة على طول مفرودة و كلك حركات !! لدرجة أن الست قبل ما تموت قلبت سريرها وعدلته على القبلة.. تخيللي!! و مهما أقول لك كانت بتقول إيه عن أمي و أهلها و مهما أوصف لك عن طول لسانها و قذارة قلبها و معدنها .. و مع ذلك جهزت نفسها للقبلة..ها أو..! صدقيني دي لو كانت عندها ذرة شك - مش اعتقاد - مجرد شك انها هتقابل في يوم من الأيام معاون نيابة الأزبكية.. مش رب الكون .. كانت لمت نفسها و ما تجبرتش على والدتي و حرمتني منها بالشكل ده.. ياشيخة بطلوا بقه تمثيل ....!

قيل: أدرى الناس بالأسرار سكان الصوامع
قلت: إن صح الذي قالوا.. فالسر شائع
عجبا كيف ترى الشمس عيون في براقع
و التي لم تتبرقع لا تراها؟
لست أدري

إن تك العزلة نسكاً و تقى ، فالذئب راهب
و عرين الليث دير .. حبه فرض وواجب
ليت شعري أيميت النسك أم يحي المواهب
كيف يمحو النسك إثما و هو إثم
لست أدري
طلاسم ( أبو ماضي)

صدفة

و لو تشوفي سعادتها لما كانت أمي المسكينة تزورني .. و تكون جدتي قبلها " عاطياني الدوز التمام " فأول ما تدخل أمي البيت .. أصرخ فيها و أشتمها و أبهدلها و أطردها: امشي يا سافلة يا منحطة .. مش عايزك .. مش عايز أشوف وشك .. روحي مطرح ما كنت.. ناموسيتك كحلي يا عروسة.. لسة فاكرة انك عندك بن رامياه كأنه لقيط .. يا الله.. روحي للبيه جوزك .. نامي في حضنه.. أنا هنا مع جدتي .. هي دي أمي .. ما ليش غيرها .. هي دي اللي بتربيني..
و أمي المسكينة.. تبكي و تنهار و تقول لي : يا بني هي اللي منعتني أخدك .. أنا نفسي تيجي تعيش معايا .. و أنا أخدمك بنفسي و أربيك.. و أنا- يا داليا - امسكها من إيدها و اطردها برة الشقة.. فتكون جدتي محضرة لي عصير لمون .. أشربه و تقول لي: إهدا يا بني .. ما تخليش واحدة ذي دي تفور دمك.. إنساها يا بني .. اللي بيعك بيعه واكسب فيه كمان!!

: يااااااااه... حاجة صعب جدا..

: لكن تعرفي- يا داليا - الصدفة فقط - خلت جدتي تموت بدري .. فبصيت حواليا .. ما لقيتش أي مخلوق في الدنيا واقف حدي .. غير أمي ..احتوتني و صبرت عليا و امتصت غضبي و فهمتني إنها وقت ما تزوجت والدي كان عمرها 14 سنة - يعني طفلة - و لما ترملت كان عمرها 18 سنة .. يعني صغيرة جداً.. و أكدت لي أنها لم تتزوج لأنها عاشت قصة حب و لكن لأنها ما كانتش متعلمة و لا كان في سيدات بيشتغلوا زمان إلا في خدمة البيوت أو في الكباريهات.. و أخبرتني أن جدتي كانت تعطيها جنيه و نصف كمصروف شهري و تقول لها
: شهريتك يا أختي .. إلهي يتمر في جتتك!!
و طبعاً تدخلات في كل صغيرة و كبيرة لتنغيص حياتها .. كما أن والدتي أكدت لي أن فكرة الزواج كان بالنسبة لها عفة و ستر .. فمش ذنبها إن زوجها الأول مات وهي عندها 18 سنة و مش ذنبها إن زوجها الثاني مات و هي بنت 28 سنة و كمان مش ذنبها أن زوجها الثالث مات و هي في الأربعين !
تعرفي أنا النهاردة في السبعينات و شايف الصورة بشكل مختلف.. طبعاً كانت لازم تتجوز عشان تعيش و تجد رجل يكون مسئول عنها ماديا و معنويا .. أنا لو عندي بنت و ترملت و هي 18 سنة .. ما لازم أجوزها عشان أطمئن عليها.
- أنت مخلف بنت؟
- لا .. تخيلي أنا تزوجت ذي أمي 3 مرات و لكن ما خلفتش!
: وطبعااً الموضوع ده كمان صدفة ؟!
: تقصدي إيه؟!
وظل الملحد السبعيني - يا نهى- يصف لي مدى كراهيته لجدته الذي تمنى فقط لو أن هناك رب و إلآه و آخرة و عقاب ليراها متشوشحة في قعر جهنم..
قوم أنا أقول له إيه: "يعني تعتقد إنها هتتشوشح لوحدها ؟ ما أنت هتكون مشرف معها" !!!
: من غير سخرية لو سمحت .. أنا مشكلتي أني مش متأكد .. مش عارف.. يعني أصل بصراحة موضوع التربية و النشأة الدينية دي .. أنا ما خدتش نصيبي منه.. لذلك - يا داليا - تجديني مش متيقن... احتمال تبقوا أنت و أمثالك صح .. ما تقدريش تجزمي..
: لا إن كان عليا فأنا أجزم
:أقصد إن التفكير في موضوع البحث عن رب و البحث عن الذات و الكون .. بيتعب تفكيري !!

أوراء القبر بعد الموت بعث و نشور
فحياة .. فخلود أم فناء فدثور؟!
أكلام الناس صدق أم كلام الناس زور؟!
أصحيح أن بعض الناس يدري؟
لست أدري!


إن أكن أبعث بعد الموت جثماناً و عقلا
أترى أبعث بعضاً أم ترى أبعث كلاً؟!
أترى أبعث طفلا أم ترى أبعث كهلاً؟!
ثم هل أعرف بعد البعث ذاتي؟!
لست أدري

طلاسم ( أبو ماضي)


نهى:

أعتقد أن أمثال هذا الملحد السبعيني لا يحاول أن ينظر لذاته .. هؤلاء لا يقفون امام المرآة إلا ليصففوا ما تبقى من شيباتهم .. لكن موضوع محاولة رؤية الذات من الداخل لا تشغل فكرهم .. ربما ترهقهم!

هل تذكرين - يا نهى- العبارة التي جاءت على لسان أحمد زكي في فيلم " اضحك الصورة تطلع حلوة"؟
: " إن أكثر ما يسعد الإنسان أن ينظر الناس لصورته فيجدوها حلوة" و كم تكون سعادته إذا نظر الإنسان لذاته من الداخل فرآها جميلة !
عمرك فكرت كيف ستراك" منار" حين تكبر؟ أعتقد أن هذه الجدة لم يدر بخلدها أن حفيدها سيري صورتها بكل هذه التفاصيل الدقيقة في يوم ما.. صورة بدون أي رتوش .. يقينا لم تكن تعلم أنه سيهتم " بتفاصيل و فرافيت الحياة " التي عاشها معها..

-هل يدور بخلد أي من الأبوين أن الأبناء يلاحظونهما و يدققون و يركزون مع أبائهم أكثر ما يركز الأهل مع الأبناء؟
يلاحظون متى يغضبون ويقارنون بين درجات هذا الغضب .. متى سكنا ؟ و متى غضا الطرف؟ و متى هاجا ؟ ومتى ماجا ؟ و متى عصفا ؟ و متى ضربا ؟ و من شتما ؟ و بمن رحبا ثم اغتابا ؟ و لمن فتحا الأبواب؟ و مع من أغلقا القلوب؟ و عماذا صهينوا؟ و لماذا ازدوجت معايرهما؟ و من ظلما ؟ و مع من تجبر بابا من منطلق قوة و مع من استضعفت ماما من منطلق لؤم لا من باب الاحتساب؟ و من قام بابا بتهميشه ؟
- لما قام بابا بالاتصال بفلان الثري الشهير مرات و مرات ووقف على باب مكتبه ساعات و ساعات؟ و لما اكتفت ماما بالرنات مع فقراء العائلة في المناسبات؟
- مع من رحب بابا وأقام الولائم و مع أي ضيف بدأت ماما تنظر في ساعتها؟
- مع من تسامح بابا و مع من تصالح و مع من اقتص؟
- على من عيدت ماما في المناسبات و من نسيت في المسرات ؟
- لماذا غضت ماما الطرف عن سوء معاملة بابا لوالدتها ( جدتي)؟ و هل هذا الهدوء يعتبر حكمة منها أم ضعف؟ إذن لماذا لم تصمت وعلا صوتها و وصل لمدينة الواحات عندما علمت بعلاقات بابا مع سيدة أخرى؟ و أيهما أكثر إثما.. الزنى أم عقوق الوالدين؟
- لماذا تغضب ماما إذا لم تصاحب أختي زوجها في رحلاته؟ و لماذا تقاطع ماما أخي لمدة أسبوع إذا علمت أنه اصطحب معه زوجته في أي سفرية بدعوى أنها لا تريده أن "يبعزق فلوسه"؟
- لماذا أخبر بابا.. عريس أختي أن شرع الله هو أن يتكفل الرجل بكافة الأعباء المادية للزواج.. و لما نصحني إذن أن من حقي أن أختار أثاث البيت الذي ستقوم خطيبتي بشرائه من مال أهلها ؟ و لما تبرم و استاء حينما أخبرته أنني لن أقوم باختيار شيء لم أدفع ثمنه.. و أنني أعتبر ثمن هذا الأثاث دين في رقبتي؟ و كيف لي أن أنسى تعليقه وقتها " إن الحياة مشاركة و تعاون بين الزوج و زوجته و لا فرق بين الاثنين و "لا داعي لان تشعر يا بني بأي حرج حينما تدفع زوجتك أو أهلها أي شيء عنك"؟!
- لما قامت ماما بإجباري على رد الجنيه العيدية الذي منحته لي خالتي الفقيرة و أنا صغير؟ و لما لم ترد الخمسون ألف جنيه الذي أهداها لها خالي الغني لمساعدتها تحت مسمى هدية؟
- هل لبابا ورد يومي و لو صفحتين يقرأهما من أول القرآن لآخره ؟ و هل يتخذ من كتاب الله منهج حياة ..أم هو كماما يستخدم القرآن كتعاويذ؟ فلا يقرئ منه سوى سورة الواقعة يوميا لجلب الرزق.. و يسين لطلب الحاجة.. و المعوذتين للوقاية حسد .. و البقرة و الفاتحة تقرآن في البيت و على زجاجات المياه قبل الشرب.. لفك السحر.. و باقي القرآن ينطبق عليه" إن قومي اتخذوا هذا القرآن مهجورا..."!!!
- لماذا ثار والدي و هاج و ماج و حثني على ضم ثورتي لثورته لأسب معه زوج أختي بأفظعها سبة و العنه اللعنة الكبرى عندما نبا لعلمه أنه يفكر بالزواج من أخرى ؟! و كيف إذن شجعني على تجربة حظي مرة ثانية مع أخرى بل و أوعز لي بضرورة إستخدام حقي الشرعي مثنى و ثلاث و رباع ..عندما تأخر حمل زوجتي فترة؟
- هل يهتم والدي- حقا ً- بعمتي الأرملة و يصطحبها في كل مكان إكباراً لها ؟ أم أنه سعيد بما تعطيه له من امتيازات خاصة عندما تسمح له بقيادة سيارتها" البي ام دبليو" الحديثة؟ و لماذا لا يهتم والدي بباقي عماتي رغم أن لهن ظروف أسوأ؟
- هل ينتقد والدي قمع الحريات و ديكتاتورية الحكام عن قناعة.. و هل يمارس المقاطعة بشجاعة و مداومة ؟ و هل يتألم حقا لما يحدث في فلسطين و العراق و في السجون العربية؟ إذن لما يمارس ديكتاتوريته علينا في البيت ؟ و لماذا يطالب بالعدل في الخارج إذا لم يحققها لأهله في الداخل؟ و لما يطالب الحكومة بالشفافية و هو يخفي عن ماما حقيقة راتبه؟ و لماذا يلعن الحكومة التي تضيق على الشعب .. رغم أنه يضيق علينا الخناق " و ده الموجود " "و اللي مش عاجبه يشرب من البحر"! و لماذا يلعن الشرطة و ينعتهم بأفظع السباب رغم توعده لأمي و معاقبتها لو نسيت الحبهان(الهيل) في الطعام أو لو ضاعت منها نظارتها أو لو كسرت منها إحدى الأواني (0و طبعا ما احنا لاقينن الفلوس في الشارع) ..رغم ان خسائره - هو - تكلف ميزانية الأسرة أضعاف .. خاصة انها تتعلق بإصلاح السيارة و خلافه ! و لماذا أسعد أنا حينما ألحظ أن نبرة صوت والدي قد إنكسرت و شابهت نبرة صوت أمي المستعطفة .. خاصة حينما ظهر في أحد البرامج و بدا "قليل الحيلة و كسير الجناح مثله مثل الأجنحة المتكسرة و قد تنازل عن كبرياؤه و قوته و جبروته" و شرع في مناشدة أحد الوزراء بل و كاد يتوسل إليه لقضاء طلب له.. و لماذا لم يدر بذهن والدي البتة أن ما يمارسه عليه رؤساءه في العمل من قمع و إذعان و سادية ما هو الا قصاص عادل لما يفعله بأمي ؟ !

رب قبح عند زيد هو حسن عند بكر
فهما ضدان و هو وهم عند عمرو
فمن الصادق فيما يدعيه
و لماذا ليس للحسن قياس؟
لست أدري
طلاسم ( ابو ماضي)

رمل و زبد
-
هل تعتقدي يا نهى - أن الأبوين على دراية بكون الأبناء ينصتون لصوت أرواحهم و لغة أجسادهم أكثر ما يسمعون أحبالهم الصوتية .. و ينظرون لنواياهم و يبصرون الشواهد أكثر من المشاهد؟!

- ف:" ليه بقه يا حاتم؟ احنا مش قلنا بلاش غش في الإمتحانات" .. ترادف في قاموس الأبناء = "ها أخبار اللجنة إيه؟ ربنا سهلها لك و لا كانوا غلسين؟!" و شتان بينها و بين استخدام مصطلحات مضادة في المعنى كإظهار الخرزانة و قطع المصروف و المخاصمة و التهديد بأخذ المحمول أو بأن الأب بنفسه سيذهب ليبلغ إدارة المدرسة أن ابنه غش في الامتحان؟

- و عبارة مثل:" تخيل يا شريف.. خالك اللي كرشه مليان فلوس و واكلها والعة و راجع من الخليج بعد عشرين سنة و على قلبه أد كده.. يمر على الفران و يغمزه بخمسة جنيه بقشيش.. فيجيله كيس العيش لغاية عنده.. عالم .. مش احنا اللي...." ألا تعني عبارة كهذه إضاءة الأب الضوء الأخضر لإبنه لذم خاله بعد أن أوحى للإبن و حكم علي الخال بأنه يستخدم أساليب ملتوية أو بصريح العبارة " خالك راشي و مرتشي"؟ وهنا يتيقن الابن أن والده يكره خاله بل و يريده كارها حاقدا عليه!

- و حكاية من حكايات ال
Pelow Talk"
ترويها أم لابنتها و هي تحتضنها فتقص عليها تاريخ الأسرة المجيد : "و ما فيش داع يا بنتي نقلب المواجع .. مش عايزاكي تفكريني بالذل اللي شربته من أم أبوك و أخواته .. يا ساتر .. دول عملوا عمايل !! ده مرة عملولي سحر .. لكن الواحد بيعامل ربنا .. و أنا مش عايزاك تشيلي منهم مهما عملوا فيا و سووا ..مالكيش أنت دعوة .. ربنا هو المنتقم و كله بثوابه يا بنتي.. أنت عارفة .. كنت أزور حماتي.. و تكون عمتك راجعة من عند الترزي.. و أول ما تشوفني .. تقوم مدارية الفستان اللي استلمته و لفاه في ورق جرائد .. شفتي كانت بتغير مني اد إيه !! و لا لما سيتك ماتت .. عمك راح هو و سلفتي على الشقة.. و أشطوا ذهب الولية كله.. يالله .. على فكرة.. احنا ما يهمناش لا ذهب و لا غيره .. بس الحركة مش حلوة.. عموما أصل عمك هو اللي كان شاريه لها.. و تعرفي.. باقي أعمامك قامت بينهم مشاكل ياما على الميراث.. دول يا بنتي اتخانقوا على شباشب أمهم .. و تضحكي بقه على عمتك لما لبست الجلبية و الطرحة بتاعت أمها و عاشت الدور .. لا و آل كانت عايزانا نتجمع كل أسبوع في بيت أمها عشان البيت يفضل مفتوح .. طبعا ما وافقناش.. اهو ده اللي كان ناقص !!"
- أم بهذه النوعية أو التربية .. ترى هل تدري كيف كحلت قلب أبنتها؟ و ترى- يا نهى - ألن يأتي يوم تدرك فيه البنت ما قامت به الأم من تلويث لقلبها بملؤه بالأحقاد و من تشويه لسمعة ذويها؟
- ترى هل سيكتفي الأبناء بالإشادة بحرص والديهم على طهارة ذات اليد؟ و هل يفكر الآباء في احتياج الأبناء لقدوة موازية فيما يتعلق بطهارة ذات الفرج .. و طهارة ذات اللسان.. و طهارة ذات القلب.. و طهارة ذات الروح؟!

نهى:

لما يفضل أولياء الأمر لوحات الفنانين أمثال" مونيه" رائد المدرسة التعبيرية ؟ الأن صوره دائما لا تعني بالتفاصيل؟! فحين تنظرين للوحاته، لا يسعك إلا أن تقولي هذا بيت و هذه حديقة و هذا رجل و هذه سيدة .. أما تفاصيل الهيئة و حقيقة الملامح فلا تتضمنها رتوش "مونيه ".. لكنها موجودة في البورتريهات الكلاسيكية لرسامين أمثال دافينشي..

فأولياء الأمور من الحكام أو أرباب العائلات يركزون على الانجازات معتقدين أنها كافية لتحقيق حياة سوية.. فهذا مصنع و هذا بيت و هذه مدرسة و هؤلاء أطفال و هذا بحر و هذا نهر بغض النظر عما في أعماق هذه البحار .. رمل أم زبد ؟ فالانجاز هو إقامة المصنع ..أما العناية و الاهتمام بصيانة معدات المصنع و تأهيل العمال .. أما تنقيح و تهذيب نفسية الأبناء من الداخل.. أما تشذيب الحدائق بشكل مستو و محاربة الحشرات الضارة و الإهتمام بكل ركن من أركان البيت.. فأمور لا يبذل فيها أولياء الأمر جهدا ووقتا كافيا .. بل إن المصيبة أن كبار المعنيين بإدارة المدرسة تراهم يعانون من " زهو مريض" كون المدرسة قد خرجت دفعتها السنوية دون تدقيق في أخلاقيات هذه الدفعة أو أهدافها .. أو أن خط الإنتاج في المصنع سار .. بغض النظر عن جودة المنتج .. و أن الحديقة فيها زهور جميلة حتى لو حوت حشرات و ثعابين في أحشائها !! تجدي رئيس دولة يخطب في شعبه و يتحدث عن إنجازات خطته الخمسة و عشرينية !! و البنية التحتية و شيدنا خمسة كباري وبنينا عشرين مدرسة وأقمنا عشرات المصانع .. وطبعاً لا داع للحديث عن حجم البطالة و أعداد المشردين و نسب متعاطي المخدرات و تصاعد أعداد المنتحرين ....!!

أيها البحر
يرقص الموج و في قاعك حرب لن تزولا
تخلق الأسماك لكن تخلق الحوت الأكولا
قد جمعت الموت في صدرك و العيش الجميلا
ليت شعري.. أنت مهد أم ضريح؟
لست أدري
طلاسم ( أبو ماضي)


شمعة تحترق في إشارة مرور
نهى الحبيبة:
أرجو ألا أكون مبالغة في رؤيتي .. بل كم وددت لو جانبني الصواب .. أربما أحاول عدم تجاهل وقائع نعايشها و نشاهدها و نقابلها في حياتنا ؟ بل إني أندهش من دهشتنا لأمور متوقعة..
لك أن تصوري أن أحدهم أعلن أنه صدم في ابنه و وحيده .. بل إنه على وشك التبرؤ منه.. و قالها:
أنا يا ابني اقدر اعمل " دلييت " لل "سي دي "اللي اسمه هشام من حياتي !! أنا أفنيت عمري عليك.. ضحيت من أجلك و دخلتك أرقى المدارس .. طلبت السفر لبعثة في أمريكا سفرتك و معاك الآن ماجستير .. طلبت تسافر تاني للدكتوراه في أمريكا سفرتك لكن....
أه من لكن يا نهى.. لكن دائما هناك لكن يا نهى!
: لكن إيه يا بابا.. هو يا أتجوز حفيدة الفريق مرتضى.. يا أكون بن عاق و تمسحني من ملفات حياتك؟
: أنا يا بني عايز اطمئن عليك .. أنا كبرت و نفسي أشيل أولادك و أفرح بك و أنت مكون أسرة و عندك بيت و مستقر في حياتك
: معلش يا بابا سيبني على راحتي
: هو إيه اللي معلش.. لكنش باعزم عليك بفشار و سيادتك عندك حموضة و بتعتذر!
: لا يا بابا .. و لو كان الموضوع اخره فشار كنت اكلته و جاملتك غصب عن عيني.. لكن مش هاقدر أجاملك في موضوع يتعلق بزواجي و حياتي .. و بعدين هو يا انا اتجوز حفيدة الفريق مرتضى .. يا هاسمع الموشح ده على طول
: لا تحترم نفسك و أنت بتتكلم معايا وأنا مش باخيرك .. هتتجوزها يعنهي هتتجوزها.. و يكون في علمك أنا مش مستعد أرمي ابني.. و مش هادفعلك مليم في جوازك من أي واحدة جايبهالي من الشارع ..
: أنا اللي باتجوز من الشارع يا بابا ؟!
: لا تكون فاكرني نايم على ودني و مش عارف بتعرف مين و بيركب معاك مين و بتجيب مين للبيت!
: بابا ارجوك و لو سمحت و من فضلك.. بطل الأسلوب ده.. لأنك هتضطرني أرد عليك .. و أنا فعلا مش عايز أرد على حضرتك.
: يا بني أنت مسافر امريكا تاني و بتقعد هناك بالسنين.. فمن حقي أطمن عليك و أجوزك عشان الجواز عفة ليك و يصونك. و أنت لسة شاب صغير و عارف البنات هناك شكلهم عامل إذاي و ما فيش لا رابط و لا ظابط .
: يعني البنات هنا اللي عندهم رابط و ظابط ... ما تخلنيش اتكلم بقه !
: بص من الآخر مش هادفع قسط كورسات ال
Fall
الا لو اتجوزت هايدي حفيدة الفريق مرتضى
: مش هاتجوزها
: و ديني لأنت متجوزها
: عند بعند.. مش متجوز خالص
: طبعا عايز تصيع على حل شعرك
: بن الوز عوام
:أنت مجنون يا ولد
: ليه مجنون .. ما أصل الموضوع
Jinetic
جينتك.. و لا حضرتك فاكر إني مش عارف إن حضرتك عملت بتاع عشرين علاقة عرفي من ساعة ما طلقت ماما
: أء أء أء
: يا بابا انا عارف كل حاجة و بصراحة .. ما كل الناس عارفة إن حضرتك اصبحت تستحل الستات بورقة
: يا كلب يا سافل يا ...
: ليه كلب يا بابا ؟ ليه سافل ؟ عشان عارف الحقيقة !
: يا بني أنا ضحيت بنفسي و رفضت االجواز الشرعي عشان أحافظلك على ميراثك و ما ادخلش عليك ست تحل محل أمك.. فتعكنن عليك حياتك .. و ما اجبلكش اخ يورث معاك!
: كمان واخدني شماعة و هتعيش دور المضحي .. و نظام حضرتك "شمعة تحترق" في سبيل إسعاد إبنك .. و اذا كنت غالي عندك كده .. طلقت ماما ليه ؟؟ طب فكرت في نفسيتي لما أكبر و أزور والدتي في بيت زوجها الجديد ؟!
: أنا طول عمري كنت بأحذرك.. و لو تفتكر كنت باقلك: خللي بالك ..الراجل ده مش عمك و ما تنادهوش بعمو .. و لا حتى أنكل و تقول له: يا أستاذ.. و فهمتك إنك بتزور والدتك لكن بيتها مش بيتك .. ده بيت رجل غربيب.
: هو مين اللي دفع والدتي للزواج من رجل غريب؟ ما كانت هنا و مالية البيت و منوراه .. و حضر تك اللي اتجوزت عليها لما قابلت حبك القديم في إشارة المرور ! يعني كنت متوقع إن ماما تقبل إن جوزها يتجوز عليها .. و عادي الامور تمشي تمام ؟! لا، تلاقيك كنت فاكر انها هتأرأض في ضوافرها و تعضعض في لحمها !! يعني حضرتك كنت ترضى إن جدي يتجوز على جدتي ؟ يا بابا انت طول عمرك شايف مامتك ست عظيمة .. و ما فيش واحدة ربعها في الدنيا .. و بتقدسها .. لكن كنت بتعامل أمي أنا بشكل عادي .. رغم إنها هي بالنسبة لي أنا.. أمي و مقدسة و عمري ما أرضي لها بوضع مهين .. و حضرتك أجبرتها انها تنفصل عنك و دفعتها للزواج من رجل اخر ! و على الأقل ماما إتجوزت على سنة الله .. زواج شرعي و عملت فرح و صورتها طلعت في "الموعد "و كل الناس شاهدة مش...
: اخرس يا منحط يا جبان.. أنا عمري ما حبيت أطلق أمك.. هي صممت الطلاق و قالت: يا أنا.. ياهي !
: أفحمتني .. فعلا " ضحيت هنايا فداك".. هل لك ان تتخيل نفسية شاب بيزور أمه .. فيجد زوجها يتعمد مغازلتها أمام إبنها سواء بتقبيلها أو قيامه بالربت على مؤخرتها و هو خارج لعمله؟
هل تخيلت لما أكون في سن المراهقة و زمايلي يقولوا لي : احنا شفنا والدك من يومين في" ستاربكس" مع موزة زي القمر!
هل تخيلت وقع الصدمة علي لما والدي يصارحني انه فضل أن يزني بورقة عشان يمنع الست اللي بيمارس معها ... أو عامل معاها علاقة.. أن ترث للحفاظ على ميراثي؟؟
ليه ما فكرتش يا بابا تحافظ على قيمي و تورثني اخلاق و مبادئ ؟
- أنا ما زنتش يا ولد .. اياك تكلم ابوك البشكل ده.. أنا ربيتك أحسن تربية.
: يعني حضرتك تسمي أي علاقة في السر إيه؟ تسمي ايه انك مستأجر شقة تقابل فيها المدام ..أنت تجيب الكباب لزوم الغداء و هي تجيب الصاقع .. وتاخدوا قعدتكم و بعدين تناموا مع بعض و تقوموا تاخدوا الدش بتاعكم .. وحضرتك تلاقي فوطة و شامبو و معجون حلاقة و "افتر شيف " في الحمام .. فتقول لها: يااااااه انت ما بتنسيش حاجة ابدا .. يا ريت كل الناس زيك.. انت الوحيدة اللي فاهماني.. يا ريتني قابلتك من زمان! و ما يمنعش تفضفضوا لبعض عن هموم السنين و انت تعيش في دور "وحيد" و هي تعيش في دور" ناهد شريف" و قصة و رواية تنفع للسينما
هو ده الزواج يا بابا ؟! هو ده بناء الأسرة؟! هي دي التضحية؟! هو ده تحمل المسئولية ؟! الزواج اسمه بناء و حضرتك لم تبن بيت .. حضرتك أجرت شقة !! حضرتك حرصت على وضع شرط عدم الإنجاب مع كل واحدة عملت معها علاقة! حضرتك شرط السرية.. يعني عايز جنس من غير مسئولية.. أنت كنت بتراضيهم ماديا .. محتمل .. لكن رضيت ربنا ؟ !
يا بابا اللي حضرتك عملته ده هو محاولة تحايل لتحليل علاقة جسدية ليس إلا .. لكن الورق اللي حضرتك بتكتبه و مسميه قسيمة عرفية .. اقدر أقلك" بله و اشرب ميته" لا في شهود عدول و لا فيه ولي و لا إشهار و لا في مؤخر و لا مقدم و لا مساكنة و لا في نية دوام عشرة .. يا بابا إذا فرضنا انك ممكن تخفي زواجك عن أي انسان.. لازم تبلغني أنا به .. فلنفرض إنك مت .. أفاجأ أنا بواحدة داخلة البيت عندي و تقول لي : تا تا تا.. أنا مرات والدك!!
: أولا مش حتة هلفوت ذيك هو اللي هيفتي في الحلال و الحرام و بعدين إطمن .. و لا واحدة تقدر تقول لك كلمة بعد وفاتي.. أصلا الورقة دي غير معترف بها أمام المحاكم .
: يعني حضرتك نطقتها بلسانك .. و أعتقد حضرتك سعيت لعلاقة ليس لها سند معترف به أو يعتد به من الأصل و لا في مساكنة .. و بتكلمني عن العفة و الستر و الزواج !
: يا بني أنا مش طالب في الجامعة أو عيل صغير .. أنا كبير و مسئول .. لكن كان في ظروف عندي و عندهم .. أصلا أغلب الستات اللي عرفتهم كانوا طالبين عرفي عشان عندهم بنات و معاشات و حاجات من دي.
: أرجوك يا باب ما تتحجش بالظروف.. وبعدين بجد حاجة تكسف .. يعني عايزين كل حاجة من غير أي ثمن .. هي عايزة عرفي عشان تفضل تحصل معاش المرحوم حتى لو غلول و حرام.. و كمان عشان تفضل مختفظة بصورة الأم المضحية " شمعة تحترق في سبيل الأبناء" و بعد شوية .. واذا جد في االأمور أمور.. و ظهر الملل .. خلاص نقطع الورقة..
:يعني يا بني مش أحسن من الزنى الرسمي اللي أنت بتهببه؟!
: لا مش أحسن.. على الأقل عارف أني بأعمل مصيبة و حاجة غلط و أستغفر عليها .. مش باجائر! على الأقل أنا شاب صغير و عمري ما كنت محصن ..على الأقل مش بأضحك على نفسي و على المجتمع كله..
: يا سلام.. ده أنت اللي أقنعتني و أفحمتني!!!
:يا بابا مش حضرتك اللي حكيت لي ان ربنا قال لسيدنا داوود :" أنين المذنبين أحب إلي من تسبيح المرآئين".. يا بابا مش حضرتك أللي قلت لي حديث الرسول: الإثم ما حاكك في صدرك و كرهت أن يطلع عليه الناس" و بعدين يا بابا .. انا ما شفتش قصادي نموذج لحياة أسرية حقيقية .. ما شفتش أب حريص على مفهوم الأسرة .. ما حسيتش إنك ضحيت عشان أولادك غير بالفلوس.. حضرتك بتتكلم عن رغبتك في أني أكون اسرة و تشوف أحفادك .. لكن أنا حاسس إن كل اللي يهمك إنك تعمل حفلة و فرح كبير و تعزم فيه أصدقائك و معارفك القيادات الكبيرة و تعلن عن إنتهائك من أداء مهمتك .. و تفخر إنك جوزت إبنك من حفيدة الفريق مرتضى .. لكن حضرتك ما طبقتش قصادي عملياً مفهوم الأسرة المترابطة.. حضرتك حبيت تتجوز اتجوزت .. حبيت تطلق طلقت .. حبيت تعمل علاقة بورقة عملت .. حبيت تقطع الورقة .. قطعت!!
: يعني غلط يا بني لما بديتك على نفسي و ما حبيتش أجيبلك واحدة في البيت تحل محل امك .. أو أخ يقاسمك في الميراث!

: صدقني غلط .. أنا كنت فعلا أفضل اني أعيش وسط والدي ووالدتي في بيت واحد .. لكن كان ممكن أتقبل إنكم تنفصلوا بالمعروف .. وصدقني كنت حاحترم جداً.. إن حضرتك تتزوج على سنة الله و رسوله فتعلمني بالتطبيق معنى الزواج الحقيقي و العفة و الستر - و فرضاً - لو حصل مشاكل في الأول لعدم تقبلي لأخ جديد من زوجتك.. لكن يقينا كانت الأيام هتقرب ما بينا ..اذا حضرتك حرصت على انك تحببنا في بعض .. و كان ممكن اجد أخ يكون ليا سند في المستقبل ..
يا بابا .. أرجوك ما تزعلش مني .. سامحني .. أنا مشوش .. مضطرب جدا.. ملتبس.. الزواج و موضوع تكوين أسرة بالنسبة لي طلاسم .. أحيانأً أقرر إني لازم أكون صح .. و ساعات أشعر أني منحط يا بابا .. ساعات بيكون عندي قوة ايمانية كبيرة و باعزم على الزواج و تكوين أسرة و أبدأ صلي و أبكي و ساعات بأنهار.. و ما فيش بعدها بشوية باكون أشر من أجدعها إبليس و مع ذلك مش قادر أقتنع أن الزواج مجرد ورقة ..
: يا حبيبي الورقة دي إقرار و...
:يعني نفرض قررت اشترى بدلة "
Boss
وصاحب المحل اكتشف بعدها إني دفعت فلوسها بورق مزور .. يصح أقول له : ما أحسن ما كنت أسرق.. على الأقل دفعت لكم ورق!!
: طلعتني مزور يا زاني يا مجرم!
: يا باب اهدى.. أنا نفسي اشرح لحضرتك وجهة نظري .. الموضوع مش ورق.. يعني حضرتك أكيد سمعت أنه تم الإعلان عن علاوة الرواتب في مصر ( ال 30 %) في عيد العمال..لكن كل الناس عارفة و حضرتك أولهم.. عارف أن الحكومة هتطبع حوالي 13 مليار ورقة نقدية من فئة الجنيه لتهدئة الشعب بالعلاوة الجديدة .. و كمان زودت الأسعار تاني يوم .. يعني أعطت من يد و أخدت من أياد!
: ها .. خلص
: ما أهو .. ورق نقدي !! مش مزور تحت السلم .. لكن تعتقد أن الرواتب هيكون لها قيمة بهذا الشكل ؟ بالعكس .. الورق المطبوع هيزيد التضخم .. لأنه ورق مزور بطريقة شرعية.. و الدنيا تتكركب رغم انه إسما .. كل بيت هتزيد الأوراق النقدية فيه !!
: فاهم قصدك لكن القياس خاطئ!
: لا مش خاطئ يا بابا.. و ثق إنه حتى لو كنت حضرتك عامل علاقة بمأذون شرعي لكن في السر و مانع الإنجاب لغرض في نفسك و لا يوجد ولي .. فهي هي.. نفس الفلوس المزورة و نفس العلاقة الآثمة و نفس الغلط اللي سيؤدي لتضخم مجتمعي و لكن بمسميات أخرى .. و عموما أنا عمري ما قصدت أضايق حضرتك و أسف جدا لو كنت تجاوزت حدودي .. أنا ستين غلطان و أبوس إيدك ما تزعلش مني .. لكن فعلا مش قادر أتجوز "هايدي" المشكلة مش هايدي و لا غيرها .. بابا أنا مرعوب من الزواج .. أنا خايف من الجزء الشرير اللي موجود جوايا .. خايف أفشل و التاريخ يكرر نفسه و اخلف ولد يتعذب معايا ..و ينخدع فيا .. يا بابا .. فجيعة الإبن في والده.. أضعاف فجيعة الأب في إبنه.. على الأقل.. ممكن إبن بار يعوض عن إبن عاق.. لكن الأب ما لوش تاني.. بصراحة أنا مرعوب يجي يوم من الأيام أكون ذي حضرتك ..
يااااااااه .. برده لبخت.. شوف يا بابا .. لما أرجع من أمريكا نتكلم في موضوع الزواج .. لكن عايزك تعرف أني بأحبك حضرتك جدا و مقدر حبك ليا و حياتي من غيرك ما تسواش .. ربنا يخليك ليا يا رب و أرجوك إدعيلي.. احضني يا بابا .. احضني. ادعي لي !

إنني أشهد في نفسي صراعاً و عراكا
و أرى ذاتي شيطاناً و أحياناً ملاكا
هل أنا شخصان يأبى ذاك مع هذا اشتراكا
أم تراني واهماً فيما أراه؟
لست أدري

كل يوم لي شأن .. كل حين لي شعور
هل أنا اليوم أنا منذ ليال و شهور؟
أم أنا عند غروب الشمس غيري في البكور؟
كلما ساءلت نفسي جاوبتني:
لست أدري
طلاسم ( أبو ماضي)

نهى:
أطلت عليك .. و لكني شعرت و كأني كنت أراك أمامي و أتحدث معك كما كنا نتحدث زمان في جلساتنا الجميلة ليلا.. حينما كان زوجي في العمل و زوجك مسافر في السعودية..
بالمناسبة ،هل أخبرتك يا نهى أني لا أعرف اسمك الكامل ؟! أعرفك فقط " نهى" .. أم منار.. تعرفي أيضا أني لا أعرف أي من الأسماء الكاملة لجيراننا سواء جيران بيت أبي و أمي قبل زواجي أو في بيتي بعد زواجي..
تعرفي- يا نهى - طالما تحدثنا معاً عن " فرافيت الحياة" و تفاصيلها.. إلا أني أتعجب من نفسي فلم يخطر ببالي يوم أن أسالك عن اسمك الكامل ..
يبدو أن المهم أن نجد من يشاركنا تفاصيل الحياة ليفك معنا طلاسمها .. و ربما هذا ما جعلني أهتم بالمسمايت أكثر من الأسماء.. دعواتي لك بكل خير كما أرجو ألا تنسيني من صالح دعاؤك فأنا على وشك الوضع هذا الشهر إن شاء الله .. اللهم ما اجعله و إخوته و ذريتهم من الصالحين و قدرنا على تربيتهم تربية ترضي الله.. اللهم وجميع أبناء المسلمين.

سلامي و قبلاتي لك و لمنار و دعواتي لك و لكل جيراننا بكل خير.

أختك و جارتك
داليا الحديدي
الدوحة
27- 4 2008